Breaking News

جدل الاستجابة في كارثتَي لبنان والسودان.. “عنصرية” أم “ترتيبات لوجستية”

كلا الكارثتين أودى بضحايا وسبَّب خسائر مادية هائلة، لكن ضعف التأثر والتعاطف مع صاحب الكارثة الطبيعية في السودان بالقدر ذاته الذي جرى مع ضحايا التقصير الحكومي في لبنان، اعتبره الكثيرون نوعاً من “العور” الإنساني.

على الرغم من إعلان السودان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وفقدان أكثر من 100 شخص حياتهم، ودمار عشرات الآلاف من المنازل بالكامل بسبب السيول والفيضانات، ما يستوجب رداً عاجلاً من المجتمع الدولي، فإن المراقب يرى اختلافاً جوهرياً بين تعاطي المجتمع الدولي مع كارثة السودان وبين تعاطيه مع كارثة بيروت.

وفي وقت سابق، شهدت بيروت في 4 أغسطس/آب، ليلة دامية جراء انفجار ضخم في المرفأ، خلَّف 191 قتيلاً وأكثر من 6000 جريح وعشرات المفقودين.

اقرأ أيضا:

انفجار بيروت.. الأسباب والتداعيات

كلا الكارثتين أودى بضحايا وسبَّب خسائر مادية هائلة، لكن ضعف التأثر والتعاطف مع صاحب الكارثة الطبيعية في السودان بالقدر ذاته الذي جرى مع ضحايا التقصير الحكومي في لبنان، اعتبره الكثيرون نوعاً من “العور” الإنساني. وعلى الرغم من أن حادثة الخرطوم أقرب إلى الكارثة الطبيعية فإن أيادي التقصير الحكومي لا يمكن إنكارها من خلال حرمان المدن السودانية من بنية تحتية قادرة على تحدي مثل هذه الفيضانات أو التقليل من أضرارها على أقل تقدير.

موسم الأمطار الخريفية في السودان الذي يبدأ من يونيو/حزيران، ويستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول كل عام، تشهد فيه البلاد فيضانات وسيولاً جارفة، كان العام الجاري أقساها، فهي الأسوأ منذ مئة عام، حسب ما أفادت وزارة الري والموارد المائية السودانية، التي قالت إن معدل فيضان النيل ارتفع إلى أكثر من 17 متراً.

واجتاحت الفيضانات 16 ولاية من أصل 18 من ولايات السودان، في الوقت الذي تواصل فيه وزارة الري إطلاق تحذيرات من استمرار ارتفاع مناسيب المياه في الأنهار السودانية، التي وصلت إلى أرقام قياسية هي الأعلى منذ بدء رصد النهر عام 1902.

على وسائل التواصل الاجتماعي، طرح كثيرون تساؤلات حول سبب عدم إظهار شعور التضامن والدعم نفسه الذي جرى التعبير عنه في أعقاب انفجار ميناء بيروت الشهر الماضي، مع ضحايا فيضانات السودان.

بعض الناشطين قالوا إن العنصرية قد تكون السبب الرئيسي وراء تجاهل العديد من الناس لمأساة الخرطوم، لأن السودانيين هم من الأفارقة السود الذين لا يحظون باهتمام وسائل الإعلام.

انفجار ضخم يهز العاصمة اللبنانية بيروت ويخلف قتلى وعشرات الإصابات
انفجار ضخم يهز العاصمة اللبنانية بيروت ويخلف قتلى وعشرات الإصابات
(Reuters)

وبالتالي، أطلق مستخدمو تويتر هاشتاغ (#من_قلبي_سلام_للخرطوم)، مرددين أغنية قديمة شهيرة مخصصة لبيروت، وانتشرت على نطاق واسع الشهر الماضي في أعقاب انفجار الميناء. كما تبادلوا صوراً تظهر حجم الأضرار التي لحقت بالعاصمة السودانية من جراء الفيضانات.

كما دعا بعض المستخدمين حكوماتهم لإرسال المساعدات والدعم إلى السودان بالطريقة التي فعلوها مع لبنان، وحثهم على فتح قنوات تبرع تُمكِّن المواطنين العاديين من إرسال دعم مالي وعيني إلى السودانيين الذين هم في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة.

اقرأ أيضا:

من هيروشيما إلى بيروت .. عار الإنسان وفخ التكنولوجيا

الدكتور عبد الرحيم العطري أستاذ علم الاجتماع في جامعة سيدي محمد بفاس المغربية، وافق بعض المغردين حول “وجود فروق دالة بين الاهتمام أو الانهمام الذي وقع مع حادث بيروت، والكارثة الطبيعية التي حلت بالسودان الشقيق”.

لكنه استبعد فرضية يطرحها بعض المحللين، قائلاً: “اعتبار الأمر يرتبط بالشمال والجنوب وسواد البشرة وبياضها فيه كثير من الاختزال، وأمر يخلو من الموضوعية في الطرح، حتى إن دخلنا في هذا التوصيف العنصري والمقاربة العنصرية فسوف نلاحظ أن الحدث الذي ارتبط بمقتل جورج فلويد الأسود في أمريكا أثار العالم، فالأمر غير متربط بلون البشرة بل بتسويق الواقع، ثم بحضورية البلد في النسق الدولي والتدخل الدولي في تدبير شؤونه الداخلية وصراعاته وأزماته”.

وعن تساؤل لا يزال يشغل بال الكثيرين عن الأسباب التي استوجبت هذه الفروق بين اهتمام دولي بارز وزيارات لكبارٍ ورؤساء لمجموعة من الدول لبيروت، في حين يبدو أنه يوجد صمت مطبق بكارثة فيضانات السودان، أجاب العطري في حديث مع TRT عربي، قائلاً: “عندما نريد أن نفهم هذه الفروق الدالة، علينا أن نعود أولاً إلى الفروق المرتبطة بالوضع الجيواستراتيجي لكل بلد، وعلينا أن نعود أيضاً إلى مكانة هذا البلد في المنظومة الدولية، بيروت كانت ولا تزال في قلب الصراعات والرهانات الدولية، كما لا ننسى الحضور الإعلامي الكبير للقنوات الأجنبية التي سوقت حادث بيروت”.

وأضاف أن “ضعف الاهتمام بما يحدث بالسودان يرتبط بتاريخ البلد أيضاً، فالسودان على الرغم من كل الأحداث التي وقعت له في سنوات ما قبل الثورة كان يمارس نوعاً من الانغلاق على ذاته، ويدبر مشكلاته بطريقة داخلية، بمعنى أن الطرف الأجنبي لم يكن يتدخل بدرجة كبيرة في تدبير مشاكل البلاد. حتى بعد الثورة نلاحظ أن الأيادي الأجنبية وإن كانت موجودة فهي تعمل بالخفاء، أما في لبنان فكثير من الإشكالات والعوائق تُدبَّر بأيادٍ خارجية مكشوفة في كثير من الأحيان، حجم التدخل الأجنبي في لبنان ليس بحجم التدخل الأجنبي في السودان”.

من جانبه قال أسامة الأشقر، الأستاذ الجامعي والخبير بالشأن الإفريقي لـTRT عربي، إن الموقف من الكارثة وطبيعة الاستجابة لها يتعلق بعدة أمور، منها: نوع الكارثة وحجمها وكيفية تلقِّيها وجغرافيتها وأثرها.

وأوضح الأشقر أن نوع الكارثة في بيروت تميّز بالصدمة نتيجة لغرابة الحدث، وشدة الغموض فيه، واختلاط الاتهامات حول مسببيه، إضافة إلى دخوله في خضمّ الجدل السياسي المحتدم في لبنان، والتعاطف اتخذ مسارات سياسية واضحة ترافقت مع الإثارة العاطفية العامة”.

أما عن كارثة السودان، فأضاف الأشقر أنها “كارثة طبيعية بالأساس لا تخلو من جدل سياسي غير محسوم حول أثر سد النهضة على هذا الفيضان، أو أثر حبس المياه خلف بحيرة السد العالي على الضغط على مجاري النيل الطبيعية ودفعها للخروج عن مساراتها”.

وحول تدرُّج المتابعة الإعلامية لفيضانات السودان، علل الأشقر ذلك بأن “الفيضان جاء على شكل موجات، تضرب في مناطق عديدة وفي أزمنة مختلفة، وكانت التغطيات الإعلامية تبدأ بالاستعدادات ثم الإجراءات ثم تغطيات فقد السيطرة، وبالتالي فقدَ الحدث امتياز الصدمة الإعلامية التي تؤدي عادة إلى التفاعل المثير”.

إضافة إلى ذلك “كان الحدث في لبنان مخدوماً إعلامياً قبيل بدء الحدث الكبير ثم بانفجار الحدث وظهوره ثم بامتداداته وآثاره مصحوباً بإثارة عالية، ما وفَّر مادة خصبة للتأثير. أما الحدث السوداني فقد كان التوثيق الإعلامي فيه شعبياً إلى حد كبير، نظراً إلى اتساع مساحة السودان واتساع حجم الكارثة الطبيعية فيه، وكانت التفاصيل الأساسية تتعلق بآثار الحدث وتأثيراته، وليس ببدئه وكيفية حدوثه، وتولى هذا الجانب القليل تغطيات ميدانية تداولها ناشطون في توثيقاتهم أكثر من الوكالات والمؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية”.

كما بيّن الأشقر أن “الحضور الإعلامي العالمي في لبنان هو أضعاف الحضور الإعلامي في السودان بحيث لا تجوز المقارنة، وهذا له جانب أساس في تقييم التعامل مع الحدث”.

وحول عقد الناس مقارنة في مستوى الاستجابة مع كلا الحدثين، قال: “لعل ما دفع الناس إلى ذلك هو التأخر في الاستجابة للحدث بالسودان، وهذا التأخر في تقديري لا يعود إلى موقف سلبي، إنما بانتظار التقارير التي تقدر حجم الكارثة والاحتياجات الإغاثية العاجلة والطارئة، ولا أدري إن كانت المؤسسات الرسمية في السودان قد كانت سريعة في الاستجابة لهذا الأمر أم لا”.

وأردف: “نعلم أن حجم الكارثة وضعف الإمكانات وشدة الارتباك في المرحلة الانتقالية الحساسة وخروج بعض الموظفين الكبار من الخدمة أو إخراجهم، وضعف الخبرة الناتج عن ضخامة الحدث وحداثة التجربة ربما أثّر في تقدير حجم الكارثة فنياً، وعرض احتياجاتهم وفق النظام الذي تطلبه المؤسسات الدولية والإقليمية المتخصصة بالإغاثة”.

واستدرك: “التفاعل الشعبي كان مؤثراً وحساساً وعاماً في الحالتين اللبنانية والسودانية، لكن العوامل التأثيرية في تلقِّي الحدث أدى إلى الشعور بالفرق، ولعل دخول أسماء مشاهير كبار على خط التفاعل في لبنان نظراً إلى كثرة المشاهير هناك جعل الحدث أكثر تفاعلاً مما يجري في السودان، الذي لا يحظى بحضور كافٍ لرموزه الفنية والعلمية والاجتماعية على المستوى العربي والعالمي لأسباب عدة ليس هذا مجال سردها”.

ولفت الأشقر إلى أن الاستجابة لهذا الحدث “أثارت سؤالاُ حساساً حول حقيقة خروج السودان من عزلته الدولية، فالاستجابة الإغاثية للكارثة تكاد تنحصر في تركيا ومصر وقطر والإمارات والسعودية، ولا يوجد ذكر لدول غربية أو الولايات المتحدة، وقد يكون السبب سياسياً، أو فنياً يتعلق بآليات الاستجابة لنداء الإغاثة الطارئة”.

والأحد، قدَّم الهلال الأحمر التركي مساعدات غذائية لنحو 550 أسرة تضررت فيضان نهر النيل، بالعاصمة السودانية الخرطوم.

وجرت عملية توزيع المساعدات الغذائية بالتعاون بين الهلال الأحمر التركي والهلال الأحمر السوداني، واستهدفت منطقة ود رملي شمالي الخرطوم.

وقال رئيس بعثة الهلال الأحمر التركي بالسودان سردار يلماز إن “أنشطة الهلال التركي مستمرة في المنطقة خلال هذه الفترة بسبب فيضان نهر النيل، وتشكل سيول في أماكن متفرقة من البلاد”.

المصدر: TRT عربي




المصدر

اترك رد