ضحايا الاغتصاب والتعذيب دون تعويض.. مسار العدالة الانتقالية يُحتضر في تونس

0

تركيا الحدث

على الرغم من أنّ هيئة الحقيقة والكرامة (المكلفة ملف العدالة الانتقالية) أنهت أعمالها، فلا يزال مسار العدالة الانتقالية في تونس أعرج، كما لا يزال الملف عقدة مسار الانتقال نحو الديمقراطية.

التعذيب والاختفاء القسري والحرمان من العمل والموت دون كشف الحقيقة،
كلّها قصص واقعيّة رواها ضحايا انتهاكات النظامين السابقين اللذين تداولا على تونس
قبل الثورة، خلال جلسات علنية بُثّت مباشرة على التليفزيون الرسمي، لكنّ ضحاياها
لا يزالون ينتظرون جبراً للضرر المادي والمعنوي الذي تعرّضوا له.

وعلى الرغم من أنّ هيئة الحقيقة والكرامة (المكلفة ملف العدالة
الانتقالية) أنهت أعمالها، فلا يزال مسار العدالة الانتقالية أعرج، كما لا يزال
الملف عقدة مسار الانتقال نحو الديمقراطية.

“لقد
أضعت عمري من أجل دولةٍ لم تنصفني، ورمتني حين أنير الطريق”، هكذا لخّصت بسمة
بلعي، أول سجينة سياسية، قصّة معاناتها من استبداد نظام الرئيس المخلوع زين
العابدين بن علي، حين انخرطت لأوّل مرّةٍ في حركة الاتجاه الإسلامي ( النهضة
حالياً) في سن 17 عاماً.

بسمة كانت تحلم كأيّ فتاةٍ أن تتزوّج وتنجب طفلاً يشغل وقتها، ويفتح
لها أبواب المستقبل، لكنّها وجدت نفسها في سن 23 عاماً، داخل جحيم سجون النظام،
وبين أشخاص لم يترددوا في محاولة اغتصابها والتحرّش بها طوال فترة اعتقالها.

بسمة التي عاشت شتى أنواع التعذيب بمراكز الوقف المختلفة، أنهكتها
حربها مع مرض السرطان، الذي تفطّنت له في مراحله الأخيرة، تقول لـTRT عربي
إنّها منحت حياتها وصحّتها لتونس، من أجل أن تنعم بالحريّة، وتمارس الديمقراطية،
لكن الدولة كافأتها بالإهمال والجحود، إذ تركتها وحيدةً تقود معركةً فاقت قدرتها
ضدّ مرضٍ خبيثٍ، لم تعد لها قدرة على مجابهته.

دموع السجن والاغتصاب والخذلان

البلعي تقول إنّها لم تعد قادرةً على مصاريف علاجها، بعد أن أجرت 13
عملية جراحية لم تكفِ لشفائها، وهي تبحث اليوم عن طريقة لرهن منزلها، أو الحصول
على قرضٍ حكومي، لتسديد مصاريف العلاج، في الوقت الذي تخلّفت فيه الدولة عن وعدها
لأكثر من 10 سنواتٍ بجبر الضرر الذي تعرّضت له عندما كانت تقارع أعتى الأنظمة
استبداداً.

وعن الانتهاكات التي تعرّضت لها تؤكد بسمة أنّها صمدت في وجه
التهديدات الكثيرة بالاغتصاب، وتحمّلت تنظيف المراحيض وغسل الأدباش الخاصة بأعوان الأمن في السجون،
والأغطية المخصصة للموقوفين المغطاة بالدماء.

تضيف بسمة أنّ نظام بن علي لم يكتفِ بتعذيبها، بل أجبرها على مواجهة
أشخاص عراة، حتى إنّها عاينت تعرية الأمن النساءَ كما ولدتهن أمهاتهنّ، للضغط على
أزواجهنّ لتقديم اعترافات، كما أنّه كان يستدعي والدها وشقيقتها مراراً إلى مراكز
البحث، وسُجن شقيقها لـ4 سنواتٍ.

اقرأ أيضاً:

جرحى
ثورة تونس.. ضحايا على قيد الموت

ذاكرة بسمة تبدو مزدحمةً بتفاصيل لم تستطع محوها، قالت عنها إنّها
جرح غائر لن يمحوه الزمن ولا اعتذار الدولة، ولا حتى تعويضاتها التي لم تصل بعد،
فقد أهانوا والديْها، واتهموهما بزنى المحارم، فقط لأنّهما يحملان اللقب نفسه.

تذكر أيضاً أنّ أعوان مراكز الوقف كانوا يدخلون على السجينات سكارى
ويتحرشون بهنّ، ويتحسسون أجسادهنّ العارية، إذ تقول بذهنٍ شاردٍ إنّ أقسى اللّحظات
التي مرّت بها كانت حين دخل عليها أعوان الأمن ومعهم أحد موقوفي حركة الاتجاه
الإسلامي، وهو عارٍ تماماً.

تتابع: “عرّوني وطلبوا مني أن أفعل أشياء أستحيي من قولها، وحين
رفضت عنّفوني، وضربوني إلى أن تناثرت دمائي من أذني، وعذبوه إلى أن صار يتبول
أمامي”.

نجاحات هيئة الحقيقة والكرامة وإخفاقاتها

بسمة البلعي ليست الوحيدة التي تعرضت للتعذيب والانتهاك على يد نظام
بن علي، وترك لها جراحاً ماضيةً تذكّرها بأحلك فترات حياتها، وعاهات تذكّرها بتلك
الجراح، فمحمد الجماعي (50 عاماً) ضحيّةٌ أخرى شاهدة على استبداد النظام الذي سرق
أجمل سنوات شبابه، وأطفأ كلّ أحلامه.

يقول محمد لـTRT عربي
إنّه تعرض بسبب نشاطه بالاتجاه الإسلامي “لانتهاكاتٍ فظيعة جداً داخل الغرف
المظلمة التي لا تتسع لشخصين، كالتجريد من الملابس، والضرب في أماكن حساسة، والصعق
بالكهرباء، فضلاً عن الشتم والألفاظ النابية، دون ذكر الأساليب الأخرى، حفاظاً على
الكرامة الإنسانية”.

يخبر الناشط السياسي TRT عربي
أنّ محاصرته خارج السجن فاقت محاصرته داخله، حيث فُرضت عليه المراقبة اللصيقة،
والمداهمات الليلية، وكانوا كإسلاميين يدفعون ضريبة كل توتر تشهده البلاد،
وأحياناً التوتّر الذي تشهده الشقيقة الجزائر، ويتابع: “رغم ذلك لم تنصفنا
البلاد حتى بعد هروب جلادنا (الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي)”.

وعن تأخُّر الدولة في ردّ اعتبار ضحايا الانتهاكات والاستبداد، يؤكد
عادل المعيزي عضو هيئة الحقيقة والكرامة التي أنهت مهامها خلال العام الحالي، أنّ
مسار العدالة الانتقالية شهد في كل بلدان العالم التي عاشت ثورات تعثرات أجّلت
استكماله، لأنّ معالجة إرث الماضي تحتاج إلى وقت طويل.

واعتبر في تصريحه لـTRT عربي
أنّ مسألة التعثر معقولة بالنظر إلى واقع التحولات التي اصطدمت بارتدادات الماضي،
وعودة رموز النظام السابق إلى الحياة السياسية، مشدّداً على أنّ المسار ماضٍ إلى
الأمام على الرغم من التعطيلات التي رافقته، خصوصاً أنّ تونس نجحت في استكمال مهام
هيئة الحقيقة والكرامة، ونُشر التقرير النهائي الذي يتضمن كل المعطيات حول ملف
الانتهاكات والتعذيب.

وأفاد بأنّ هذا المسار سيكتمل في غضون أشهر، بعد تشكيل لجنة صندوق
الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد، على أن ينطلق الصندوق في تعويض الضحايا في
غضون أشهر قليلة.

ما الذي يعطّل مسار العدالة الانتقالية؟

نجوى الرزقي هي الأخرى ضحية للاستبداد، وهي مناضلة يسارية، وسجينة
سياسية سابقة، بدأت مأساتها مع النظام السابق حين احتجّت بكليّة رقادة التي درست
فيها بالقيروان (الوسط التونسي) على فصل قانوني يقضي بطرد الطالب نهائياً من
الجامعة إذا لم ينجح فيها ثلاث مرات، قبل أن تحاصرهم جحافل البوليس الذي عمد إلى
وقفها برفقة عدد آخر من زملائها وزميلاتها.

تقول نجوى الرزقي لـTRT عربي،
إنّ الأمنيين بمركز الوقف هدّدوها بالاغتصاب بماتراك (عصا البوليس)، وأجبروها على
توقيع محضر، ولما رفضت التوقيع شرعوا في ضربها على رأسها، وأُودِعَت سجوناً مختلفة
بين محافظات البلاد، حرمت فيها من الحقوق التي تتمتع بها سجينات الحقّ العامّ،
ونالها الضرب والشتم والإهانة.

اقرأ أيضاً:

من
يتآمر على الشعب التونسي وثورته؟

تؤكد نجوى أنّ الأمن لم يكتف بتفريقها عن زوجها المناضل اليساري عبد
الجبّار المدّوري، بعد أيام قليلة من إنجابها طفلها البكر، بل عمد إلى تشويه
سمعتها بإطلاق شائعات تنال من أخلاقها كلما انتقلت إلى مكان جديد لتقيم فيه.

ويشهد مسار العدالة الانتقالية، الذي انطلق بعد الثورة مباشرة بموجب
عدّة مراسيم، انتهت إلى تبلور عامّ تَمثَّل في قانون العدالة الانتقالية، الذي
أنشأ هيئة الحقيقة والكرامة، مطبّات وتعقيدات متراكمة، أجّلت تحقيق أهدافه السامية
أمام مسار يتراوح بين البطء في تنفيذ بعض جوانبه، والتعطّل في تنفيذ أخرى.

ويُجمِع جلّ المتدخّلين في هذا الملف على أنّ الحسابات السياسية التي
ما انفكّت تتقاذفه، هي التي حالت دون استكماله، إذ يؤكد المحامي والناشط الحقوقي
مصباح السالمي أنّ هذا المسار الانتقالي لم يحافظ على حياده ولا على استقلاليته،
واخترقته الحسابات السياسية التي عملت على تعطيله وتأجيله.

واستنكر لدى حديثه مع TRT عربي
اختزال هذا المسار في مرحلة جبر الضرر لضحايا الظلم والاستبداد ورد اعتبارهم، في
حال أنّه انطلق بآمال كبيرة من أجل تحقيق أهداف سامية وفق معايير دولية أهمها
القطع مع الفساد وإصلاح المؤسسات وتحصينها ضد العودة إلى الاستبداد.

المصدر: TRT عربي

- Advertisement -

اترك رد