أخبار تركيا

الهوية المتحفية وإعادة تشكيل الذاكرة: الشرق الأوسط القديم والجديد

تركيا الحدث

سيشهد عالمنا العربي مع التطبيع مع العدو الصهيوني نشأة مزيد من المتاحف، وسيُسلَّط الضوء على آثار “إبراهيمية” وبقايا كنائس في أرض الرسالة ومعابد يهودية على ضفاف الخليج.

لا تعيش أمة بلا ذاكرة، ولا تكتمل قوتها إلا بالبناء على أعمدة تواريخها جميعاً، مدركة من أين بدأت وإلى أين انتهت. نحن أبناء المعنى والمكان وهوياتنا تتشكل بالعقيدة والتاريخ والجغرافيا، كما أنها في حالة تفاوض دائم مع الاختلافات الفرعية بين أبناء الوطن الواحد، العرقية والدينية واللغوية، وبالطبع الطبقية والمهنية والمدنية والعسكرية.

يحمل المتحف في جوهره منطقاً تاريخياً، وكل أمة تستعرض تاريخها القديم عبر الحفريات ومنطق الأشياء والأثر، وتبصر جذورها التي تضرب في القرون السابقة، وتخلّد انتصاراتها ونهضتها قرناً بعد قرن. وكلما طال الزمن وتنوعت العصور والممالك والدول، زاد المشهد المتحفي ثراءً.

اقرأ أيضا:

خيارات الفلسطينيين
في ظل الخذلان العربي

وللمتحف سياسات، وفي كتابه “ميلاد المتحف” يستعرض طوني بينيت بعضاً منها، كيف تفاوتت الأنظمة في تعاملها مع المتحف، وتوظيفها له. ومن مفارقات الولع بالمتحف أنه لا يقيم بذاته حاضراً ولا يبني مستقبَلاً. قد يُستخدم لزرع هُوية قومية معتدلة حيناً ومتطرفة أحياناً أخرى، أو تمجيد تواريخ قامت على أحداث حقيقية ثم تحولت لأساطير تشوبها المبالغات والتوظيف السياسي، كمتاحف الهولوكوست التي تصبّ في دعم إسرائيل وشرعيتها. المتحف إذاً يجذب السياحة، أو يتم توظيف رمزياته في الفخر وتغذية النزعة القومية الشعبوية وتكريس الفاشية، لكنه لا يجيب منفردا عن أسئلة المجتمع السياسي الراهنة والمعقدة.

انظر إلى دول الخليج العربي على سبيل المثال، هذه ثقافات غلبت الولاءات القَبَلية فيها طويلاً، وتم اكتشاف النفط فيها على يد القوى الاستعمارية فتأسست كيانات سياسية بحدود تقسم الثروة وتضمن التوازنات الإقليمية.

هذا مجتمع تاريخه بالأساس شفاهي وعرفي، وعمرانه بدوي بوصف ابن خلدون، وهو عمران يحمل من القيم ما ينافس به صولة الحَجَر، فهو لا يملك معابد الفراعنة ولا حصون بابل، لكنه يملك قيما وروابط يحق له الافتخار بها، ويملك بعض أطلال متناثرة لتواريخه السالفة .

لكن مع الطفرة في اقتصاده الريعي وتراكم الثروة بدأت رحلة الهوس بالمتحف، بمعنى تمجيد التاريخ كما يحفظه الغربيون بين جدران مكان مخصص يأتيه الزوار ليطالعوا التاريخ والفنون.

اقرأ أيضا:

مشاريع شرق أوسطية
قيد الصراع والتشكل.. من يربح المستقبل؟

ومن القاعات الصغيرة للمتاحف الوطنية الناشئة في البداية إلى ضخامة اللوفر في أبو ظبي، بدأت مراكمة الآثار من خارج الدول الخليجية، ووصل بعضها إلى المتحف بطريقة غامضة يتساءل البعض عنها. فهذه ليست متاحف المستعمر السابق التي نهبت ثروات تاريخية كالمتحف البريطاني على سبيل المثال، ولا هي المسلات الضخمة التي نصبها الغرب بعد نقلها إلى باريس وواشنطن. لكن المال يمكن أن يشتري حتى الآثار، وأحياناً التاريخ.

وصناعة المتحف هنا هي جزء من بناء صورة جديدة للدول الخليجية باعتبارها لا تقل عن دول المركز التقليدية في المشرق العربي كمصر وسوريا والعراق، التي تواجه التفتيت والإرهاب ونهب آثارها والتدخل الأجنبي السافر اليوم، في حين تروج دولة مثل الإمارات لنفسها كقوة إقليمية صاعدة.

إنها “لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر” كما يصفها الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله في كتاب يحمل هذا العنوان. وما دام الخليج سيكون مركز العالم العربي، فلا بد إذا من متحف.

المتحف أيضاً رافعة جيدة لهويات منافسة تريد الصعود إلى السطح، الحالة المصرية اليوم مثال واضح. فهناك المتحف المصري الجديد الذي تم بناؤه بالقرب من الأهرامات على مساحة كبيرة ليجمع بعض كنوز الآثار المصرية القديمة.

لكنه ليس مجرد متحف، بل هو جزء من جهد دؤوب اليوم في مصر لإعلاء قومية مصرية ترفع شعارات “مصر العظمى” وتتحدث على مواقع إلكترونية وصفحات منظمة على منصات التواصل الاجتماعي عن النقاء العرقي المصري، مهاجمة العروبة ومميزة الهوية المصرية حتى من الإسلام، محتفية بما قبل الفتح، كأن الفتح جاء بعد زوال ممالك المصرية القديمة بعصورها المختلفة، ولا بأس أن يصاحب ذلك هجوم على الدولة العثمانية باعتبارها دولة غزو واحتلال، وأنها سبب تأخر مصر حضارياً.

بعض التجهيل التاريخي مفيد مع الخصومات السياسية، ويسهل في ظله اتهام المعترض بالعمالة والخيانة والتنصل من هويته، وهذا موت للمنطق وغياب للفهم يعقّد الهوية في المجتمعات ذات التاريخ العريق.

المتحف المصري الجديد سيتوازى مع افتتاحه أيضاً تدشين متحف الحضارة المصرية في منطقة الفسطاط الذي سيضمّ آثاراً متنوعة من التاريخ المصري القديم والمسيحي والإسلامي، وتستعدّمصر لإتمام عملية نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة بمصر القديمة، وذلك في موكب ملكي “مهيب” لنقل 22 مومياء ملكية و17 تابوتاً في مشهد فخميحاكيطقوس الفراعنة في نقل المومياوات، وستتصدرالموكب العجلات الحربية تجرّها الخيول التابعة لوزارة الداخلية والجيش، ويرتدي قائد كل عجلة حربية الزي الفرعوني، وقد تشارك طائرات حربية في المشهد.

والمتحف أيضاً فكرة تحول المعنى إلى أيقونة تاريخية بدلاً من أن تبث فيه حياة تدب على الأرض، وكان الدكتور عبد الوهاب المسيري يرى أن الحضارة التي تصوغ الحياة اليومية لا تحتاج إلى كثير من “المتحفية”، وأن المبالغة في ذلك المشهد المتحفي والإفراط في التباهي بالأمجاد الزائلة هو آفة عقلية لا تجيد صناعة المستقبل وقد يقودها مشروع سياسي هو في جوهره ضد الوطن والناس والهُوية، لكنه يتدثر بالثقافة المتحفية وسرديات الفخر الأسطورية.

سيشهد عالمنا العربي مع التطبيع مع العدو الصهيوني نشأة مزيد من المتاحف، وسيُسلَّط الضوء على آثار “إبراهيمية” وبقايا كنائس في أرض الرسالة ومعابد يهودية على ضفاف الخليج. وليس مذهبنا طمس الأثر فهذا تاريخ الأمم، بل شاغلنا هنا التساؤل عن التوقيت وعن تسييسه وتوظيفه ودلالاته وتبعاته.

المتحف مرآة وحافظة وتذكار وإلهام، لكن المتحف وحده لا يُصلِح عمل المفسدين.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى