أخبار تركيا

إلى أين وصلت التهدئة في إدلب بعد أكثر من 9 سنوات من الصراع؟

تركيا الحدث

تعيش منطقة إدلب حالة من الترقب المستمر منذ توصل موسكو وأنقرة إلى تفاهم على وقف إطلاق النار في الخامس من شهر مارس/آذار الماضي. هذا التفاهم جنّب ما تبقى من مناطق سيطرة المعارضة السورية خطر اجتياح النظام السوري والمليشيات الداعمة له.

بعد أكثر من تسع سنوات من الصراع المستمر، وعلى الرغم من محاولات التصعيد المتقطعة التي يقوم بها النظام السوري، يبدو أن منطقة إدلب تتجه لمرحلة من التهدئة النسبية في الفترة القادمة. هذه التهدئة النسبية ما كانت لتتحقق لولا التعزيزات العسكرية التي أرسلتها تركيا إلى المنطقة في رسالة رفض واضحة لأي محاولات تصعيد يقوم بها النظام السوري بغطاء روسي. كما أنها جاء لتترافق مع عملية مستمرة لـ”إعادة تأهيل” هيئة تحرير الشام، التي تبدي مرونة عالية ورغبة في المساومة.

تعيش منطقة إدلب حالة من الترقب المستمر منذ توصل موسكو وأنقرة إلى تفاهم على وقف إطلاق النار في الخامس من شهر مارس/آذار الماضي. هذا التفاهم جنّب ما تبقى من مناطق سيطرة المعارضة السورية خطر اجتياح النظام السوري والمليشيات الداعمة له، كما جدد رغبة الطرفين الروسي والتركي في العمل على إعادة فتح طريق M4 الدولي الواصل بين حلب واللاذقية عبر جنوبي مدينة إدلب.

لكن ما ميز هذا الاتفاق عن ما سبقه من التفاهمات التي قامت قوات النظام السوري بالإخلال بها، هو الالتزام التركي بعدم السماح بخرق الاتفاق الأخير، الذي لم يكن من الممكن التوصل إليه لولا انخراط المسيّرات التركية والقوات التركية التي سقط منها أكثر من 35 عسكرياً في إدلب.

وقد كانت لافتاً تصريح الرئيس التركي أردوغان بعيد توقيع الاتفاق مباشرةً بأن أنقرة سترد على أي هجوم تقوم به قوات النظام. الالتزام التركي ببقاء مناطق المعارضة في إدلب، وتحديداً شمالي طريق M4، ينبع من استشعار أنقرة بالتهديد في حال سقوط هذه المناطق، ما قد يولد موجات جديدة من اللاجئين سيكون لها تبعات على توازنات السياسة الداخلية في تركيا.

الالتزام التركي الذي يمثل رافعة للتهدئة تمت ترجمته مباشرة على الأرض من خلال تعزيز الوجود العسكري في منطقة إدلب شمالي وجنوبي طريق M4، حيث تم تأسيس ما يقرب من 20 نقطة عسكرية جديدة في المنطقة وإرسال تعزيزات عسكرية متنوعة. كما أن الرسالة التركية الواضحة بعدم السماح لقوات النظام بالتقدم هذه المرة تم إيصالها أيضاً إلى قوات المعارضة السورية التي طلب منها التجهز لصد أي هجوم محتمل لقوات النظام.

وفي مقابل هذا الإصرار التركي على صد النظام السوري يعاني النظام السوري من الوهن والانكماش لأسباب متعددة. فمحاولات النظام السوري لحشد قواته للهجوم على إدلب تعرقلت بسبب انتشار وباء كورونا الذي يبدو أنه خرج عن السيطرة في مناطق النظام السوري. كما أن انتشار وباء كورونا قد سارع أيضاً من تدهور الاقتصاد السوري الذي يعاني من مشاكل مزمنة وتداعيات قانون قيصر الأمريكي للعقوبات.

أما موسكو فلا يبدو أنها معنية بالذهاب إلى تصعيد مفتوح في إدلب حالياً، مع عدم انتفاء رغبتها في التضييق على الوجود العسكري التركي وإزالة النقاط العسكرية التركية، تحديداً الموجودة منها في مناطق سيطرة النظام السوري. وفي هذا السياق يمكن قراءة التظاهرات التي تم ترتيبها أمام نقاط المراقبة العسكرية التركية في صرمان ومورك الواقعتين تحت سيطرة النظام السوري، والتي ترافقت مع لقاءات ثنائية في أنقرة طالبت فيها موسكو بتخفيض عدد القوات التركية وسحب الأسلحة الثقيلة.

وباستثناء محاولات التعديل وإزالة بعض “الرتوش” فإن موسكو تبدو راضية نسبياً عن الوضع في إدلب والالتزام التركي بإعادة فتح طريق M4 وتسيير الدوريات المشتركة.

وقد كان لافتاً تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف في زيارته إلى دمشق وبعيد لقائه رئيس النظام السوري بشار الأسد، بأن “هناك هدوءاً نسبياً يسود في سوريا، ويجب العمل على ترسيخ هذا التوجه”، في إشارة ضمنية إلى رضى موسكو عن الوضع في إدلب في المرحلة الحالية، وعدم رغبتها في التوجه نحو التصعيد.

كما أن أولوية موسكو في المرحلة الحالية تتمثل في إعادة تأهيل النظام السوري اقتصادياً وسياسياً قبيل الانتخابات الرئاسية السورية المرتقبة في 2021. التوجه الروسي كان واضحاً من خلال المشروع الاقتصادي الذي قام نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بورسيف بتقديمه للطرف السوري في زيارته دمشق في الثامن من سبتمبر/أيلول، وفي محاولة الدفع باتجاه تقارب بين دمشق والمليشيات الكردية من خلال تقبل دمشق لفكرة الفيدرالية، ما سيسمح للنظام السوري في المقابل بالعمل على استثمار الموارد النفطية في شرقي الفرات، مصدر الدخل القومي الأهم لسوريا ومفتاح أي عملية إعادة بناء.

تقاطع المسارات الدبلوماسية وأولويات الفواعل الدولية بشأن تثبيت التهدئة في إدلب يترافق أيضاً على الأرض مع عملية “إعادة تأهيل” لهيئة تحرير الشام، التي يبدو أنها تبنت الدور الجديد. حيث أظهرت الهيئة قدرة على تقديم التنازلات، وكذلك عملت على إرسال رسائل طمأنة لمختلف الأطراف الدولية. في الوقت الذي تستمر فيه المسيّرات الأمريكية باستهداف قيادات “جهادية” في إدلب.

حيث عملت الهيئة في الأشهر الأخيرة على إظهار تمايزها عن الفصائل “الأكثر تشدداً”، وهو ما بدا واضحاً من خلال قضاء الهيئة في يونيو/حزيران الماضي على تنظيم حراس الدين المرتبط بالقاعدة، وعلى تجمع “فاثبتوا” الذي يضم عناصر متطرفة أخرى.

كما أن الهيئة أثبتت رغبتها في الانضباط بالتفاهمات الدولية من خلال التزامها بخفض التصعيد الروسي التركي، وعدم الدخول في مغامرات عسكرية ضد قوات النظام السوري.

على الجانب الآخر قامت الهيئة بمحاولات طمأنة المجتمع الدولي من خلال تأكيد أنها تخلت عن أيديولوجيا الجهاد العالمي، وتحولت إلى مجموعة محلية تقاتل للبقاء. كما أن الهيئة ذهبت أبعد من ذلك من خلال محاولتها إرسال رسائل تصالح مع الغرب، وتقديم نفسها كشريك على الأرض في مواجهة العناصر الأكثر تطرفاً.

وقد كان لافتاً في هذا السياق الحوار الذي أجراه رئيس الهيئة أبو محمد الجولاني مع مجموعة الأزمات الدولية في فبراير/شباط الماضي، الذي تحدث فيه عن جهود الهيئة في مواجهة داعش. وكذلك اللقاء الذي أجراه المسؤول الشرعي للهيئة عبد الرحيم عطون مع صحيفة Le Temps (لو تامب) السويسرية، الذي نشر في بداية شهر سبتمبر/أيلول الجاري، وناشد فيه الغرب تقديم الدعم لقاطني إدلب، مؤكداً أن الهيئة لا تمثل تهديداً للغرب.

تقاطع الخطوط السياسية من خلال التقبل الروسي للوضع في إدلب بعد إصرار أنقرة على موقفها، والذي يترافق مع عملية تدوير الزوايا بالنسبة إلى هيئة تحرير الشام التي ترسل رسائل للغرب بتغير أيديولوجيتها ولروسيا بتحولها للاعب أكثر انضباطاً، يبشر بمرحلة تهدئة في الفترة القادمة في إدلب. ومن المحتمل أن تتحول هذه التهدئة، التي قد تتخللها بعض الخروق المتقطعة، إلى أمر واقع على المدى الطويل، خاصة في ظل انسداد المسارات السياسية لحل الأزمة السورية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى