أخبار تركيا

التحركات السودانية نحو إسرائيل.. هل بات التطبيع معها مسألة وقت؟

تركيا الحدث

عززت التحولات السياسية التي جرت في السودان بعزل الرئيس البشير ورموز نظامه، وتشكيل مجلس سيادي يجمع قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، مسار تحولات السودان الخارجية وتوجهه نحو تطبيع العلاقة مع دولة الاحتلال، بدعم سعودي وإماراتي ومصري كامل للخطوة.

أثارت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان لدولة الإمارات العربية مؤخراً لعقد لقاءات مع فريق أمريكي خاص لمناقشة رفع العقوبات الأمريكية عن السودان، النقاش مجدداً حول مسار تطبيع علاقات السودان مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل توقيع اتفاق تطبيع العلاقات بين دولتي الإمارات العربية والبحرين ودولة الاحتلال الإسرائيلي برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي رجح بدوره أن تحذو دول عربية وإسلامية أخرى حذو الإمارات والبحرين قريباً.

وفي مطلع فبراير/شباط من العام الحالي، أعلن رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن لقاء جمعه برئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان في العاصمة الأوغندية عنتيبي، وأن الجانبين قد اتفقا على تطبيع العلاقات وتطويرها في القريب العاجل.

تشير المعطيات إلى أن مسار تطبيع العلاقات السودانية مع دولة الاحتلال قد بدأ منذ عدة سنوات، وأن التحولات الإقليمية منذ عام 2013 التي أفضت إلى إعادة سيطرة دول الثورة المضادة على زمام الأمور في المنطقة، وتدهور الوضع الاقتصادي في السودان، وتصاعد الضغوط الدولية على نظام الرئيس البشير خاصة في ملف استدعاء بعض رموز النظام لمحكمة الجنايات الدولية، قد دفعت بالسودان نحو مقاربة جديدة تستند بالأساس على الاستجابة للمطالبات الدولية والأمريكية على وجه الخصوص المتعلقة بالعقوبات الأمريكية على السودان، ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وقد عززت التحولات السياسية التي جرت في السودان بعزل الرئيس البشير ورموز نظامه، وتشكيل مجلس سيادي يجمع قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، مسار تحولات السودان الخارجية وتوجهه نحو تطبيع العلاقة مع دولة الاحتلال، وبدعم سعودي وإماراتي ومصري كامل للخطوة، والذي عبر عنه لقاء عنتيبي.

ومنذ لقاء عنتيبي شهدت العلاقة بين الجانبين عدة تطورات، أهمها السماح للطيران المتجه لدولة الاحتلال الإسرائيلي بعبور المجال الجوي السوداني. وبحسب متحدث عسكري سوداني، فإن الخرطوم سمحت للرحلات الجوية المتجهة إلى الاحتلال الإسرائيلي بعبور مجالها الجوي، وذلك بعد أيام من اجتماع رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

اقرأ أيضا:

إيران: البحرين
والإمارات تضحيان بفلسطين لإرضاء أمريكا

إلا أن الجدل الذي رافق تصريحات الناطق باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي يعد أهم هذه المؤشرات. فبعد نفي الوزارة تصريحات المتحدث حيدر بدوي وإعفائه من منصبه، أصر حيدر بدوي على موقفه وطالب الحكومة والفريق البرهان بالكشف عن تفاصيل التطبيع مع إسرائيل للشعب.

وعكس نفي وزارة الخارجية السودانية وقتها لتصريحات الناطق باسمها استمرار الأزمة وسط النخبة السودانية الحاكمة على إدارة الملف، وأن فرضية أن جهة سيادية رئيسية تحيط بالفريق البرهان وتعمل معه بشكل مباشر وبمعزل عن الأطر البيروقراطية الحكومية تدير الملف باتت هي الأرجح.

ويظهر إعلان الجيش السوداني دعمه لخطوات البرهان في إدارة ملف التطبيع أن الفاعل الأهم بين الفواعل السياسية الحالية، والمتحكم الفعلي في الأمور في السودان، هو الجيش وقد حسم أمره، وهو ما يقطع الشكوك حول توجهات العسكر تجاه هذا الأمر، وأن البرهان يتحرك بغطاء من الجيش.

أما داخل القوى المدنية المشاركة في الحكومة فهناك تباينات في المواقف، ما بين رفض للفكرة تماماً وتمسك بعدم الاعتراف بإسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، وبين من يرفض أن يتفرد العسكر بإدارة الملف، وأن هذا الأمر من اختصاص حكومة مدنية منتخبة ومجلس تشريعي منتخب وليس مؤقتاً، وبين أطراف دعمت الخطوة واعتبرتها أحد استحقاقات التحول في السودان والتخلي عن إرث النظام السابق. هذا التباين في الموقف وعدم الوضوح يضعفان الموقف العام للقوى المدنية في المجلس السيادي، ولا يجعلان من موقفها، سواء كان رافضاً أو متحفظاً على الآلية، ذا أهمية حاسمة في مسار التطبيع.

وبالنظر إلى دوافع السودان الجديد في السعي نحو التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي فتتعلق في جلها برغبة حكام السودان الجدد استرضاء المانحين الإقليميين والدوليين، الذين يربطون مساعداتهم للسودان والنظام الجديد بقدرة الأخير على تلبية متطلبات المرحلة الجديدة، القائمة على نسج تحالف عربي إسرائيلي في المنطقة في مواجهة قوى إقليمية أخرى.

كما تتشكل قناعة لدى النخبة الحاكمة الجديدة ممتدة منذ نهاية نظام الرئيس البشير، أن المدخل لحل مشكلة العقوبات الأمريكية على السودان يأتي عبر دولة الاحتلال الإسرائيلي وقوة تأثيرها في المعادلة الأمريكية.

كما أن الإدارة الأمريكية الحالية تعلن ذلك صراحة بأن تطبيع السودان مع دول الاحتلال يسهم في تحسين ظروف العلاقة معها. فرغبة الحكام الجدد في السودان تهدف إلى وضع قضية التطبيع مع دولة الاحتلال مقابل ضمان تدفق المساعدات ورفع العقوبات، ممَّا يمكنهم من تحسين الظرف الاقتصادي والسياسي في السودان.

كما أن الأطراف الرئيسية في معادلة الحكم الحالية تسعى جاهدة للاستقواء، بعضها على بعض، بهذا المسار المفضي، بحسب قناعتهم، إلى تحسن في الوضع الاقتصادي والسياسي للسودان. فالطريق موجود وداعموه مستعدون، والوعود بتحسين أوضاع السودان ورفع العقوبات الأمريكية مرتبطة به، فأي من الأطراف السودانية الحاكمة اليوم مستعد للسير به سيمتلك أوراق قوة إضافية لمصلحته.

ويشير الدعم الذي حصل عليه الحكم الجديد من المحور السعودي الإماراتي المصري الساعي بقوة لعلاقات معلنة مع دولة الاحتلال، إلى أن طبيعة التفاهم مع الحكام الجدد للسودان تشمل في جوهر القضية اصطفاف النظام الجديد في السودان والسير بلا مواربة مع مشروع التحالف السعودي الإماراتي المصري، بتشكيل حلف عربي إسرائيلي في مواجهة قوى إقليمية كإيران وتركيا. فالعلاقة بين دعم الانقلاب على البشير والمواصلة في إدارة البلاد، والتطبيع مع إسرائيل والتعاون مع الولايات المتحدة في استراتيجيتها في المنطقة، ورفع العقوبات واستمرار المساعدات، وثيقة جداً. وبغض النظر عن المتوقع من مكاسب للسودان من جراء هذه المعادلة إلا أن قناعة الحكام الجدد بهذا المسار قوية، وتشير كل التحركات الداخلية والخارجية للحكام الجدد إلى صحة الفرضية.

اقرأ أيضا:

من
“الأرض مقابل السلام” إلى “السلام مقابل السلام” .. هل ضاعت فلسطين؟

ومن المرجح أن تسفر خطوات التطبيع بين الجانبين عن إعلان مشترك بين الجانبين خلال الفترة القريبة القادمة. حيث يرغب نتنياهو بالإعلان عن العديد من العلاقات مع دول عربية وإسلامية، وربط ذلك بجهود حليفه القوي في البيت الأبيض دونالد ترمب وفريقه الذي يرغب وضع هذه الإنجازات في سلة الهدايا المقدمة للوبي الصهيوني الأمريكي، بتحقيق إنجاز واختراق مشهود في هذا الملف.

وتشير الصورة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن الاتفاق بين الإمارات العربية والبحرين ودولة الاحتلال إلى حرص ترمب على توظيف هذه الصورة لدى اللوبي اليهودي في أمريكا، وضمان دعمهم له في الانتخابات. فالمصلحة التبادلية بين نتنياهو وترامب تسهم في حرصهما على إنجاز هذا الملف بوقت يخدمهما. إلا أن الأمر لا يقتصر فقط على هذا العامل، فمسار التطبيع بالنسبة إلى دولة الاحتلال وإلى مشروع نتنياهو السياسي استراتيجي، ومتصل بدرجة كبيرة بالمعادلة الإقليمية، والصراع مع إيران والتنافس مع تركيا.

فالسودان الجديد المنهك اقتصادياً والمفكك سياسياً، والذي يشهد جملة تحديات في أطرافه، ونزاعات قبلية وانفصالية، يبدو غير قادر على الصمود في وجه الضغوط الأمريكية والعربية في المضي قدماً في هذا المسار. ومن غير المتوقع أن يسفر أي إعلان عن اتفاق مع دولة الاحتلال عن ردة فعل حقيقية في السودان. فلا معادلة الحكم الجديدة منقسمة على ذلك، ولا القوى المناهضة للتطبيع قادرة على تحويل القضية لنقطة تحول في وجه الحكم الجديد.

ويعزز ذلك من حظوظ العسكر الذين يقودون المسار في الحفاظ على النفوذ الأكبر في السلطة، وربما حسم الخلاف مع المدنيين لمصلحتهم. فهذا النوع من التحولات الكبيرة يحتاج قوة لحمايتها والمواصلة فيها. كما يعزز ذلك من فرضية أن تكون دوافع الانقلاب الذي نفذه الجيش ضد الرئيس البشير قد حدثت ابتداءً انطلاقاً من هذا المسار والمضي فيه قدماً. كما أن دول الثورة المضادة التي بدأت بالإعلان عن علاقاتها بدولة الاحتلال ستكون بحاجة إلى إظهار أن موقفها يحظى بدعم إقليمي عربي ولن يكون شاذاً. وعليه فستمارس ضغوطاً وربما إغراءات على العديد من الدول العربية والإسلامية للسير في الاتجاه نفسه.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى