أخبار تركيا

طموحات ماكرون النابليونية مقابل سياسات ميركل الواقعية

تركيا الحدث

وجد الرئيس الفرنسي نفسه مرة أخرى يسبح في مياه لا يعرفها، فيما أظهرت ألمانيا، أيضاً مرة أخرى، أن لها اليد العليا في توجيه سياسات الاتحاد الأوروبي.

وليس أدل على ذلك من الأحداث
الأخيرة التي وقعت في شرق المتوسط، والتي شهدت خسارة سياسات ماكرون النابليونية في
مواجهة السياسة الواقعية التي تنتهجها المستشارة الألمانية.

منذ خروج بريطانيا من الاتحاد
الأوروبي، يواجه الاتحاد واقعاً جديداً، لا سيما وقد تخلت عنه أكبر قواه العسكرية
وأوثقها صلة بالولايات المتحدة. وفي ظل التطورات الجديدة، خشي كثيرون من أن المحرك
الاقتصادي للاتحاد، ألمانيا، ستفرض هيمنتها على التحالف. وعلى غرار الإسبارطيين
الذين أشعلوا حرباً لحيازة نوعٍ من التوازن مع قوة أثينا التي كانت آخذة في التنامي،
تحاول فرنسا بقيادة ماكرون إبراز نفسها عن طريق محاولة الهيمنة على السياسة
الخارجية للاتحاد الأوروبي، غير أنها فشلت فشلاً ذريعاً حتى الآن بسبب حسابات
خاطئة عديدة اتخذتها خلال سعيها ذاك.

يُصوِّر ماكرون فرنسا على
أنها القوة الفاعلة الجديدة في المنطقة من ليبيا إلى لبنان، والآن في النزاع
المحتدم في شرق البحر المتوسط. وهكذا، خرج علينا بأسلوب أشبه ما يكون بنابليونية
جديدة، ليحاول من خلاله فرض هيمنته على سياق الأحداث والتحكم فيه عن طريق توجيه انتقادات خطابية للرئيس التركي أردوغان.

في البداية، أخفقت فرنسا في
ليبيا بمراهنتها على أمير الحرب خليفة حفتر، قبل أن توجه اتهامات هستيرية إلى
تركيا، في الوقت الذي كانت هي التي تنتهك القانون الدولي. وبضغوط فرنسية، أطلق الاتحاد
الأوروبي عملية “إيريني” البحرية، التي يُفترض أنها تمنع تدفق الأسلحة
إلى الأطراف المتنازعة في ليبيا، غير أنها، بطريقة ما، تغفل عن خطوط إمداد حفتر،
في الوقت الذي تستهدف فيه طرق إمداد حكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم
المتحدة.

على المنوال ذاته، وبالإضافة
إلى الأسلحة الفرنسية المتطورة التي حازها حفتر، أخذت تتكشف الآن تفاصيل صفقة
حديثة يتردد صداها في ليبيا عن أن بنوكاً فرنسية منحت بنوكاً تتبع معاقل حفتر
الواقعة في شرق ليبيا قروضاً بقيمة 40 مليار دينار ليبي (29.2 مليار دولار).

اقرأ أيضاً:

التدخل
الفرنسي.. لإنعاش لبنان أم للسيطرة عليه؟

وفي لبنان، برزت سياسات
ماكرون النابليونية إلى الواجهة مرة أخرى. فقد زار ماكرون البلد المدمر بعد
الانفجار المروع الذي شهده مرفأ بيروت، وبطريقة استعمارية إلى حد كبير، وعد بتغيير
سياسي في البلد الذي كان مستعمرة سابقة خاضعة لفرنسا. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن
أي تقدم حقيقي في الأفق، والأدهى أن الاتحاد الأوروبي يوشك على فقدان نفوذه المهم
في لبنان بسبب سياسات ماكرون وتصريحاته المتسرعة.

غير أن سياسات ماكرون
النابليونية ونزوعها التوسعي بلغت ذروتها مع النهج الذي كشفت عنه في قضية شرق
البحر الأبيض المتوسط. فقد أرسلت فرنسا طائرات حربية إلى جزيرة قبرص، منتهكة بذلك
الوضع القائم في الجزيرة وخاطرت بإثارة مزيدٍ من التصعيد في الصراع الذي كان
مجمداً، وأجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع اليونان، إضافة إلى أنها تعمدت تصعيد
الخطاب العدائي تجاه تركيا.

غير أن سياسات ماكرون
النابليونية ونزوعها التوسعي بلغت ذروتها مع النهج الذي كشفت عنه في قضية شرق
البحر الأبيض المتوسط. فقد أرسلت فرنسا طائرات حربية إلى جزيرة قبرص، منتهكة بذلك
الوضع القائم في الجزيرة وخاطرت بإثارة مزيدٍ من التصعيد في الصراع الذي كان
مجمداً، وأجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع اليونان، إضافة إلى أنها تعمدت تصعيد
الخطاب العدائي تجاه تركيا.

دخول ألمانيا

لكن لماذا تريد فرنسا أن تكون
قوة فاعلة حاسمة في مناطق الصراع المشتعلة حول الاتحاد الأوروبي؟ ولماذا يحاول
ماكرون تصوير نفسه على أنه عامل تغيير لقواعد اللعبة في السياسة الخارجية للاتحاد
الأوروبي؟ حسناً، الإجابة هي ألمانيا.

إن الانتهاكات والأعمال
العدائية الفرنسية ضد ألمانيا قديمة وتاريخية. ومع ذلك، فقد تأسس الاتحاد الأوروبي
على أساس من توازنٍ فرنسي ألماني، إلا أنه بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد
ألمانيا، انهار ذلك التوازن. وليس من المستغرب أنه خلال الفترة التي سبقت إعادة
التوحيد، قال ممثل عن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لأحد مساعدي
غورباتشوف: “فرنسا لا تريد بأي حال إعادة توحيد ألمانيا، رغم أنها تدرك أن
الأمر في النهاية، لا مفر منه”.

بمرور الوقت، نما الألمان
اقتصادياً وتمكنوا من التحول إلى أقوى اقتصاد في أوروبا، وفي ظل الأزمة الاقتصادية
التي ضربت دول الجنوب الأوروبي، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، تمكن
الألمان من وضع أنفسهم في موقع صانع القرار الأساسي في الاتحاد الأوروبي. وأثارت
هذه التطورات أحاديث جانبية مفادها أن الاتحاد الأوروبي أصبح “اتحاداً
ألمانياً” تهيمن عليه ألمانيا وتمثل الطرف الفاعل فيه.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن
ألمانيا استخدمت قوتها الاقتصادية بطريقة فعالة للهيمنة على الاتحاد الأوروبي،
فإنها لا تزال تفتقر إلى القوة العسكرية والمعرفة اللازمة بالسياسة الخارجية
والمرجعية التاريخية والقدرات المؤهلة لقيادة الاتحاد، إذ المملكة المتحدة وفرنسا
تفوقها بقدر كبير في هذه المجالات، ومع ذلك فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي
غيّر هذه التوازنات، فقد غادرت الاتحادَ الأوروبي دولةٌ تمثل إحدى الركيزتين
الرئيسيتين لحفظ التوازن مع ألمانيا في الاتحاد.

اقرأ أيضاً:

فرنسا
وسياسة صب الزيت على النار في شرق المتوسط

وفي ظل هذه البيئة الجديدة،
اضطر صناع القرار الفرنسيون إلى التقدم ومحاولة تحقيق التوازن مع الألمان من خلال
قيادة الاتحاد الأوروبي على مستوى السياسة الخارجية. وهو ما يعني أن سياسات ماكرون
النابليونية الجديدة ليست موجهة في المقام الأول ضد تركيا أو أي دولة أخرى، ولا
تُحسب على محض الطموحات الشخصية لماكرون، بل هي معنية بالأساس بموازنة سياسات
المستشارة الألمانية الأبرز حضوراً من أي وقت مضى.

وبهذه الطريقة، تريد فرنسا
وضع نفسها في موقع القوة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تقدر على حماية
حلفائها، بصرف النظر عن أي أسباب كامنة وراء النزاع في شرق البحر المتوسط. ويريد
ماكرون إظهار أن فرنسا قادرة على تسلّم الأمور وتوليها في المناطق التي لا يوجد
فيها الألمان، والتحركات الأخيرة دليل على ذلك.

غير أنه، وعلى الرغم من أن
ماكرون كان يحاول موازنة ألمانيا بسياسته الخارجية العدوانية والمتشددة حيال
تركيا، فإن فرنسا ارتكبت خلال ذلك خطأ كبيراً في حساباتها، فعلى خلاف القضايا
المتعلقة بالقارة الإفريقية أو بدول مثل لبنان، ولا سيما حين يتعلق الأمر بإيجاد حل
مع تركيا، فإن اليد العليا، من جهة الكفاءة السياسية والمعرفة بالتراث والتقاليد
التاريخية والقدرة المؤهلة للتدخل والتوسط، ليست لفرنسا بل لألمانيا. ويزيد على
ذلك أن محاولات ماكرون للتدخل في شرق المتوسط تفتقر إلى العمق اللازم لفهم السياسة
التركية ودور تركيا الجوسياسي في المنطقة.

هذا النقص دفع ماكرون إلى
الخروج والادعاء بأن فرنسا ليست لديها مشكلة مع الشعب التركي، وأن مشكلتها مع
الرئيس التركي وحده، في نوعٍ من الإشارة إلى أن السياسة الخارجية التركية في شرق
المتوسط لا تحظى بدعم الجمهور التركي في عمومه والمعارضة التركية أيضاً.

غير أن واقع الأمور، هو أن
المعارضة التركية ليست فقط تدعم السياسات الحالية، بل إن العقول المدبرة لهذه
السياسات تقودها الأطراف التي تُعرف بالكماليين المتشددين. كما أن عقيدة
“الوطن الأزرق” التركية المعنية بالدفاع عن حقوق تركيا البحرية ليست إلا
نتاج نخب كمالية في البحرية التركية، ومن ثم فإن الموقف التركي الحالي يحظى بالدعم
الكامل من الحكومة التركية وجميع الأحزاب المعارضة. هذه التفاصيل تعرفها ألمانيا
جيداً، فهي الدولة التي تضم أكبر عدد من السكان الأتراك في العالم بعد تركيا، إلا
أنها ليست معروفة لماكرون بحسب ما يبدو.

وبالإضافة إلى عدم فهم تركيا،
أخطأ ماكرون في تقدير حجم تأثيره هو نفسه داخل الاتحاد الأوروبي أيضاً. فمعظم
الدول الأوروبية، وعلى رأسها دول البحر المتوسط، لا تؤيد الموقف العدواني الذي
طرحته فرنسا، بل تفضل الحوار مع تركيا كما اقترحت المستشارة الألمانية. لذلك، لم
تفض محاولة ماكرون لتحفيز حلفائه الأوروبيين للاصطفاف وراءه إلى أي شيء، وبلغ
تصعيده الخطابي ذروته دون نتائج تذكر.

باختصار، خسرت سياسة ماكرون
النابليونية وطموحاتها التوسعية أمام السياسة الواقعية للمستشارة الألمانية. وعلى
ما يبدو فإن سياسات ماكرون المتعلقة بالنزاع التركي اليوناني حول ترسيم الحدود
البحرية في شرق المتوسط وجزر بحر إيجه قد فشلت في تحقيق أهدافها. كما لم تسفر قمة
دول البحر المتوسط عن أي من النتائج التي كان يأملها ماكرون، وهو ما أجبر الرئيس
الفرنسي، على ما يبدو، على التلويح بغصن الزيتون والمبادرة بالسلام حيال تركيا عبر
تغريدةٍ نشرها باللغة التركية.

وبالنظر إلى أن بادرة التهدئة
التي أطلقها ماكرون قوبلت بالمثل من أردوغان، يبدو أن السياسة الواقعية الساعية
للحوار مع تركيا، بدلاً من تصعيد لا معنى له بشأن مزاعم ترسيم حدود بحرية غير
مشروعة، قد بدأت تؤتي ثمارها.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى