أخبار تركيا

هكذا تساعد روسيا أرمينيا في تصوير صِدام أذربيجان على أنّه حربٌ مُقدَّسة

تُطبَّق الآن نفس قواعد اللعبة التي استخدمها نظام الأسد في سوريا، لكن هذه المرة في أرمينيا، لتصوير الأمور على أنها معركةٌ بين الإسلام والمسيحية، في حين أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.

تشتعل ناغورنو قره باغ
مرةً أخرى مع اقتتال القوات الأرمينية والقوات الأذربيجانية. قد لا يستحق هذا الأمر لاعتباره خبراً جديداً
نظراً إلى التاريخ المليء بالعذابات والاشتباكات المنتظمة تقريباً، ولكن لحقيقة أن
أرمينيا هذه المرة يبدو أنها دبَّرَت شيئاً جديداً.

شكَّلَت أرمينيا هذه
المرة تحالفاً من المعزولين والمارقين. ويبدو أن أرمينيا مُصمِّمة الآن على تحويل
ما كان يُعتَبَر نزاعاً على الأرض بين خصومٍ عرقيين إلى حربٍ مُقدَّسة.

كانت ناغورنو قره باغ
هادئةً، ومستقرةً تحت الحكم السوفييتي سابقاً. وعندما بدأ الفشل يبدو على الاتحاد
السوفييتي، بدأ الاسترخاء في الحكم. ورغم أن ناغورنو قره باغ كانت جزءاً شرعياً من
أذربيجان في ظلِّ الاتحاد السوفييتي، كان هناك برنامج ترحيل كبير لطرد
الأذربيجانيين من منازلهم وإعادة توطين الأرمن في المنطقة.

اعترفت موسكو آنذاك
بالمنطقة كمنطقة حكم ذاتي. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كانت أرمينيا
مستعدةً للحرب مع أذربيجان للاستحواذ على ناغورنو قره باغ.

أول خطوة اتَّخَذتها
أرمينيا المستقلة حديثاً هي مهاجمة أذربيجان المجاورة. شاركت أرمينيا في حملةٍ
واسعة النطاق من التطهير العرقي والإبادة الجماعية. واقتلعت أرمينيا ما يقرب من
مليون أذربيجاني من مساكنهم، وقتلت ما يقرب من ثلاثين ألفاً منهم.

كانت أرمينيا مدعومةً
من روسيا في حملتها للتطهير العرقي، مِمَّا يشير إلى نمطٍ يتبلور في كلِّ تعامل
روسيا مع أراضيها السابقة وجيرانها.

ورغم أن روسيا كانت هي
المسؤولة عن إشعال القتال، فقد لعبت دور رجل الإطفاء أيضاً وتوسَّطَت في وقف إطلاق
النار، مِمَّا تَرَكَ القضية دون حل. ولا تزال ناغورنو قره باغ خاليةً من السكَّان
في الغالب، باستثناء المستوطنين الأرمن.

ورغم انخراط أرمينيا في
عديد من الحملات الدولية لتصوير نفسها على أنها ضحية، لا تعترف الأمم المتحدة ولا
الولايات المتحدة بمطالبها.

اقرأ أيضاً:

ما
دوافع أرمينيا في اعتدائها الحالي على سيادة أذربيجان؟

تُعَدُّ ناغورنو قره
باغ جزءاً من أذربيجان، ولم يتم التعامل مع التطهير العرقي والقتل الذي حدث سابقاً
مُطلَقاً، ولا يزال الأذربيجانيون حتى يومنا هذا يروون قصصاً عن العنف الوحشي على
يد أرمينيا.

ورغم الإدانات الدولية
لأرمينيا، والاعتراف بمطالبة أذربيجان بالأراضي، تواصل أرمينيا حالةً من العداء
المعتدل وزرع التوتُّر في المنطقة.

لم تضم أرمينيا ناغورنو
قره باغ، وترفض تحمُّل المسؤولية عمَّا يقرب من مليون أذربيجاني طردتهم خلال حملة
التطهير العرقي التي ارتكبتها. وعلى نحوٍ مثيرٍ للدهشة، شاركت أرمينيا في الوقت
نفسه في حملةٍ للحصول على الاعتراف الرسمي بما تدَّعي أنه إبادةٌ جماعية منذ أكثر
من 100 عام.

وأصدرت الولايات
المتحدة مؤخَّراً تشريعاً يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن دون أن تذكر التطهير
العرقي لأرمينيا ضد الأذربيجانيين. كانت تلك نتيجةً لسنواتٍ عديدة من الضغط من قِبَلِ
أرمينيا وكذلك عداء كونغرس الولايات المتحدة تجاه تركيا.

تَبَنَّى مجلس الأمن
التابع للأمم المتحدة قراراتٍ تدين التطهير العرقي في أرمينيا. وتشير القرارات إلى
أرمينيا باعتبارها “قوة احتلال”.

كانت تركيا حليفاً
وثيقاً للبيت الأبيض، وكان ذلك بمثابة فرصة سهلة لمهاجمة الرئيس دونالد
ترمب.

وتتجرَّأ أرمينيا الآن
على مهاجمة ناغورنو قره باغ بسبب انتصار التشريع الذي مُرِّرَ في الولايات
المتحدة، وعمليات التضليل الروسية بشأن الرئيس السوري بشَّار الأسد، وشيطنة تركيا
على المسرح العالمي، وتقويض خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول في
أذربيجان.

إنها العاصفة المثالية
بالنسبة إلى أرمينيا، إذ يمكنها الاستفادة من حرب المعلومات المُضلِّلة التي
أطلقها الأسد وروسيا لتصوير نفسها على أنها مدافعٌ عن جميع المسيحيين.

وفي الواقع، بينما
يتقاتل الطرفان اليوم، فإن أذربيجان تقاتل داخل حدودها فيما تقاتل أرمينيا داخل
حدود أذربيجان. وتزعم أرمينيا في الوقت نفسه أنها تعرَّضَت للهجوم في أثناء القتال
على الحدود داخل أذربيجان.

وغرَّد رئيس الوزراء
الأرميني نيكول باشينيان قائلاً: “يجب على جميع الأرمن أن يتَّحدوا للدفاع عن
تاريخنا ووطننا وهويتنا وحاضرنا ومستقبلنا. سنفوز، وهناك امتيازٌ واحدٌ فقط، وهو
أننا نعد أنفسنا بأننا لن نتراجع ملليمتراً عن الدفاع عن شعبنا وعن
أرتساخ”.

من المُلاحَظ أن رئيس
الوزراء يتحدَّث عن “هوية” أرمينيا. ويوضح رئيس الوزراء أنه يركِّز
عينيه على ناغورنو قره باغ. وفي خضم محاولته ليبيِّن الأمر كأنه موقفٌ دفاعي، فإنه
يعترف حقاً بأن أرمينيا تقاتل في المنطقة المُعتَرَف بها عالمياً بأنها أذربيجان.

وفي غضون ذلك اكتشف
صحفيون أن شاحناتٍ عسكرية روسية كانت تدخل أرمينيا من إيران عند معبر جلفا.

رُسِمَت خطوط المعركة
بشكلٍ واضح، وقد انضمَّت أرمينيا إلى روسيا وإيران، وسوف تعتمد أذربيجان على
علاقتها الوثيقة بتركيا.

ركَّزَ كثير من
البيانات من روسيا وأرمينيا وإيران على تركيا بقدر ما ركَّز على أذربيجان.
ويُذكِّرنا جزءٌ كبيرٌ من بناء السرديات هذه بالحملات التي شنَّتها روسيا وإيران
نيابةً عن الأسد.

حتى إن أرمينيا وجدت
حلفاءَ لها في الولايات المتحدة. غرَّد السيناتور الأمريكي روبرت مينينديز،
قائلاً: “إنني أُدين بشدةٍ الهجومَ الأذربيجاني على ناغورنو قره باغ، وهو
اعتداءٌ آخر تدعمه تركيا. يجب على إدارة ترمب تعليق المساعدة الأمنية لأذربيجان
والانخراط من خلال مجموعة مينسك، التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لوقف
إطلاق النار”.

ومع ذلك، فإن تغريدة
السيناتور تتعارض مع السياسة الرسمية للولايات المتحدة، ويبدو أنها تتعلَّق
بمعارضة تركيا بقدر ما تدور حول ناغورنو قره باغ.

وليس من المُستغرَب أن
يبدو معظم حلفاء أرمينيا معارضين لتركيا. انضمَّ اليونانيون إلى الجوقة، وكذلك
الصرب. كانت هذه الأطراف نفسها حريصةً أيضاً على دعم الإبادة التي يمارسها الأسد
ضد السوريين، وهي إبادة جماعية وقفتها تركيا في إدلب.

ويستخدم أنصار أرمينيا
نفس قواعد اللعبة التي استُخدِمَت في سوريا، أي تصوير المعركة على أنها قتالٌ بين
المسيحيين والمسلمين، الشرق مقابل الغرب.

في سوريا، ارتدى الأسد
زوراً عباءة “حامي حمى المسيحيين”، وروَّجَت دولٌ مثل اليونان وروسيا
تلك الدعاية وعزَّزَت الرسالة الطائفية. قَتَلَ نظام الأسد وعذَّبَ المئات من
المسيحيين و60% من الكنائس التي دُمِّرَت خلال الحرب كانت على يد نظام
الأسد.

ولم تعُد المعركة -في
رواية أرمينيا للتطوُّرات- تدور حول الأرض، بل أصبحت معركةً دينية تحرِّض على صورة
الصليبيين ويسوع على الصليب.

وما نراه الآن هو أن
أرمينيا تعلَّمَت من الأسد وعلاقتها الوثيقة بروسيا أن تلعب بالورقة المسيحية.
تزعم أرمينيا أنها تدافع عن المسيحية ضد الإرهاب الإسلامي. تحب الدعاية الغريبة
هذا الترويج، وتعمل يداً بيد مع السردية القائلة إنها معركةٌ بين المسيحية
والإسلام.

جاء العنوان الرئيسي
بموقع The Daily Beast الأمريكي يقول: “تركيا ترسل أمير حرب داعش لمواجهة حلفاء
بوتين”.

تحاول أرمينيا قول:
“إما أرمينيا وإما الإرهابيون”، مثلما حاوَلَ الأسد أن يجعل كثيرين
يعتقدون أنه “إما الأسد وإما الإرهابيون”. إنها روايةٌ بسيطة وفعَّالة
للأشخاص الذين يجهلون حقائق الصراع.

كانت النتيجة في سوريا
مقتل مئات الآلاف من النساء والأطفال والرجال السوريين. يجب أن لا نقع في فِخاخ
الكذب مرةً أخرى. المعركة على ناغورنو قره باغ لها علاقة بالعدوان الصرف على الأرض
وبالقومية العرقية، ولا علاقة لها بالدين.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى