أخبار تركيا

لماذا جاء الرد على ماكرون من الرئيس أردوغان؟

إن تفرد أردوغان بالردّ على تصريحات ماكرون هو انعكاس بديهي ومباشر لغياب أي تعقيب بخطاب الأخير من رؤساء وزعماء الدول الإسلامية الأخرى كما ينبغي ويُفترض، إن لم يكن رفضاً مبدئياً لما قاله، فتناغماً مع شعوبهم على أقل تقدير.

رغم مرور عدة أيام، ما زالت أصداء تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الإسلام تتردد داخلياً وخارجياً على طول العالم الإسلامي، حول أن “الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”، معلناً أن على بلاده “التصدي للانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام موازٍ وإنكار الجمهورية الفرنسية”، داعياً إلى “فهم أفضل للإسلام”.

ردود الفعل الرافضة للتصريحات أتت أولاً من هيئات ومؤسسات مسلمة داخل فرنسا، حذرت من أن تؤدي إلى زيادة مستوى الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، وتداعيات ذلك على مسلمي فرنسا تحديداً. خصوصاً أن التصريحات أتت بين يدي خطة جديدة تسعى لمواجهة ما سُمي بـ”النزعات الانفصالية” أو “الانفصال الشعوري”.

فيما شاركت مؤسسات وشخصيات عديدة في العالمين العربي والإسلامي في التنديد بتصريحات ماكرون، في مقدمتها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والأزهر الشريف، ومفتي سلطنة عمان، والمجلس الإسلامي السوري، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وعدد كبير من التيارات والأحزاب والنخب والناشطين.

وقد عدَّ هؤلاء تصريحات ماكرون أحَدَ أشكال العنصرية، ورأوها “استفزازية” و”مؤججة لمشاعر المسلمين”، بل ومتأثرة بأجواء “الحروب الدينية في العصور الوسطى” وفق بعضهم.

اكتنف كلام ماكرون عدة مغالطات منهجية، أولها صدورها عن رئيس إحدى الدول، بما يتناقض بشكل واضح مع تقييم دين كالإسلام فضلاً عن الدعوة إلى إعادة فهمه بطريقة مختلفة. فماكرون هنا ليس فيلسوفاً ولا مفكراً ولا أكاديمياً، وليس بالتأكيد شخصية دينية ذات اختصاص، ليدعو إلى ذلك، بل صاحب مصلحة وأهداف سياسية مما قال.

كما أن في كلامه خلطاً واضحاً بين الإسلام كدين ومعتقد، وتمظهراته السياسية، دولاً وأحزاباً وتيارات، فضلاً عن أن أدوات تقييم الدين ليست المشكلات والأزمات وعدم وحدة معتنقيه وما إلى ذلك، بل هناك حاجة -إذا ما سلمنا بفكرة تقييم الدين- إلى معايير مختلفة مثل مدى انتشاره وقبوله، إلخ. وإذا ما تجاوزنا ذلك جدلاً، ووفق منطق ماكرون، ألا يمكن القول إن المسيحية واليهودية وحتى الشرائع غير السماوية تواجه أزمات ومشكلات هي الأخرى؟ هل يبدو العالم المسيحي أو الكاثوليكي أو الأرثوذكسي أو اليهودي موحداً مثلاً؟

كما يتضمن كلام الرئيس الفرنسي نفس منطق التعميم المتكرر في الغرب، بحيث يوصم دين يعتنقه ما يقرب من مليارَيْ إنسان على وجه البسيطة ببعض أفعال عدد قليل من الأفراد أو التيارات، بما يتناقض مع أي منهج علمي أو منطق موضوعي.

أكثر من ذلك، بين ما يقوله الرجل والعلمانية التي يُفترض أنه يدعو إليها ويدعّي السعي لحمايتها تناقض كبير، فهو هنا لا يدعو إلى فصل الدين عن الدولة أو حياد الأخيرة بين الآيديولوجيات المختلفة، بل إلى التضييق على الدين ونفيه من الحياة العامة تماماً.

وليس أدل على ذلك من الجدل الكبير الذي دار مؤخراً في فرنسا حول حجاب رئيس اتحاد الطلاب في جامعة السوربون، رغم أنه ليس شعاراً سياسياً ولا يمكن فهمه في إطار نفي الآخر أو الكراهية الدينية والعنصرية.

إذاً، تسقط هنا دعاوى ماكرون، ويتأكد لنا أنها تصْدُرُ عن نظرة فوقية تتناسب مع الماضي الاستعماري لبلاده، وعلمانية متشددة انتهجتها فرنسا وما زالت، وعن خطاب كراهية وعنصرية، في سعيه للتنافس مع اليمين الشعبوي في بلاده في المحطة الانتخابية المقبلة.

وقد كتبتُ سابقاً أن خطورة هذا التيار ليست مشروطة بوصوله إلى السلطة، بل بمجرد وجوده وتناميه، لأنه يعتمد خطاب مزاودة على الشخصيات والأحزاب الحاكمة تضطرها إلى محاولة مجاراته، فيجد بعض سياساته ومطالباته طريقَه إلى النور وهو في صفوف المعارضة.

بالنظر إلى كل ذلك، يمكن بكل أريحية أن نقول إن رد الفعل على تصريحات ماكرون كان دون المستوى، لا سيما على المستوى الرسمي الذي يُفترض أنه يمثل الشعوب المسلمة. ولسنا هنا في معرض الرد على من طالب بالتفاعل مع كلام ماكرون والاستفادة منه للقيام بمراجعات ما، فذلك منطق متهافت سبق الردُّ على بعض منطلقاته.

لم تطالعنا ردات فعل مُنددة بهذا الخطاب من منظمة التعاون الإسلامي أو الجامعة العربية أو رؤساء الدول ذات الأغلبية المسلمة، ربما باستثناء الرئيس التركي، فقد قال الأخير إن تصريحات نظيره الفرنسي “استفزاز واضح وتفتقر إلى الاحترام”، كما رأى أن دعوته لإعادة هيكلة الإسلام “وقاحة وقلة أدب”.

ثمة من يرى أن رد أردوغان على ماكرون ينبع من الخصومة الواضحة بين بلديهما مؤخراً التي اتخذت أحياناً طابعاً شخصياً، إذ تقود فرنسا حملة تجييش وتحريض ضد تركيا في عدة ملفات، من ليبيا إلى سوريا ومن لبنان إلى العراق ومن شرق المتوسط إلى تصعيد القوقاز الأخير، وبما يشمل دعم انقلابيّ مثل حفتر متهم بارتكاب جرائم حرب والتنكر لحقوق تركيا في الثروات الطبيعية وتجاهل الوضع القانوني للأراضي الأذربيجانية المحتلة.

لا شك أن هذه الخصومة ستجعل ردّ أردوغان أكثر حدة وترفع سقف خطابه إزاء ماكرون، لكنها لا تكفي لتفسير موقفه، لا سيما وأن له مواقف سابقة مع آخرين في نفس السياق، حين رفض مثلاً استخدام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مصطلح “الإرهاب الإسلامي”، في مؤتمر صحافي مشترك بينهما في 2017.

ففي المقام الأول، هناك خلفية أردوغان الشخصية كفرد محافظ نشأ ضمن تيار “الميللي غوروش” أو الفكر الوطني ذي التوجه الإسلامي، وبالتالي فشخصيته ترفض ولا شك هذا الخطاب المستهدف للدين الإسلامي، مثله مثل أي فرد آخر.

كما أن أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، حريصان عادة على التناغم مع توجهات الشارع التركي عموماً وفي القضايا المتعلقة بالهوية على وجه الخصوص. ومن البديهي أن الشعب التركي في عمومه رافض لتطاول الرئيس الفرنسي بهذه الطريقة، لذا فقد أتت الإدانات من الأحزاب التركية بمختلف توجهاتها، وفي مقدمتها العدالة والتنمية المحافظ، والشعب الجمهوري الكمالي، والحركة القومية القومي.

وهناك ما يتعلق بسعي أنقرة لأن تكون دولة رائدة في العالم الإسلامي، أو قائدة له، بما يرتّب عليها مسؤوليات تتخطى الشأن الداخلي التركي إلى البلدان الأخرى والمسلمين في الغرب. كما أنها تسعى لأن تكون صوت المسلمين والعالم الإسلامي في المحافل الدولية، لذلك يتكرر في خطابات الرئيس التركي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مثلاً، حديث عن مشكلات العالم الإسلامي، في ظل شعار “العالم أكبر من خمسة” الذي يرفعه للإشارة إلى أزمة النظام العالمي الحالية والغبن الذي يُلحِقه بكثيرين، في مقدمتهم المسلمون.

أخيراً، إن تفرد أردوغان بالردّ على تصريحات ماكرون هو انعكاس بديهي ومباشر لغياب أي تعقيب -فضلاً عن تنديد- بخطاب الأخير من رؤساء وزعماء الدول الإسلامية الأخرى كما ينبغي ويُفترض، إن لم يكن رفضاً مبدئياً لما قاله، فتناغماً مع شعوبهم على أقل تقدير. وعليه، فربما لا ينبغي أن يُسأل عن سبب رد اردوغان على ماكرون، بل عن لواذ الآخرين بالصمت إزاءها.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى