أخبار تركيا

مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان و”إسرائيل”.. تقنية أم سياسية؟

هذه المفاوضات التي وصفتها “إسرائيل” بـ”المباشرة” في حين أصر لبنان على نفي ذلك بشكل قاطع، تهدف إلى إنهاء النزاع القائم بين الطرفين على منطقة في البحر المتوسط، تبلغ مساحتها نحو 860 كيلومتراً مربعاً، وتُعرف بالمنطقة رقم 9 الغنية بالنفط والغاز.

لم تحظ الجولة الأولى من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي انطلقت بين لبنان وإسرائيل بأي نتائج تُذكر، لأن الجلسة الأولى التي عُقدت في 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في مقر قوة الأمم المتحدة جنوب لبنان، كانت لوضع أسس الحوار الذي سينطلق فعلياً في الجولة الثانية التي ستنعقد في 26 من الشهر الحالي.

إلا أنها خطوة اعتبرتها واشنطن “تاريخية بين دولتين في حالة حرب”، جاءت بعد سنوات طويلة من الوساطة الأمريكية. نتج عنها إعلان لبنان و”إسرائيل” بداية الشهر الحالي التوصل إلىتفاهمات عريضة بشأن بدء عملية التفاوض حول الحدود البحرية برعاية الأمم المتحدة في مدينة الناقورة.

هذه المفاوضات التي وصفتها “إسرائيل” بـ”المباشرة” في حين أصر لبنان على نفي ذلك بشكل قاطع، تهدف إلى إنهاء النزاع القائم بين الطرفين على منطقة في البحر المتوسط، تبلغ مساحتها نحو 860 كيلومتراً مربعاً، وتُعرف بالمنطقة رقم 9 الغنية بالنفط والغاز.

إذ تعتبر السلطات اللبنانية أن هذه المنطقة تشمل 850 كلم مربعاً داخل المنطقة التي تصفها إسرائيل منطقة اقتصادية خالصة له، في حين يطالب الأخير بنحو 860 كلم مربعاً في المنطقة الاقتصادية للبنان.

وفي يناير/كانون الثاني 2016، أعلنت السلطات اللبنانية انطلاق أولى جولات تراخيص التنقيب عن النفط والغاز فيها، ما أشعل وتيرة الأجواء لدى الجانب “الإسرائيلي”، وانطلقت على أثره واشنطن بوساطات لدى الطرفين نحو الانخراط في عملية تفاوض لترسيم الحدود البحرية بينهما.

تلك الخطوة أثارت العديد من التساؤلات، حول ما تحمله من أبعاد اقتصادية بحتة، أم أنها تشير إلى أبعاد سياسية ودلالات بشأن الاعتراف اللبناني بـ”إسرائيل”، وإمكانية نزع سلاح حزب الله.

ذلك بعد أسابيع قليلة من توقيع الإمارات والبحرين اتفاقيتَي تطبيع مع إسرائيل برعاية أمريكية، الأمر الذي دفع البعض إلى الربط بين الحدثين، واصفينقرار التفاوض غير المباشر مع الاحتلال بأنه “يمثل لحظة ضعف سياسية لبنانية غير مسبوقة”.

أهداف اقتصادية بعيداً عن مرمى التطبيع

“غالبية القوى السياسية متفقة على أن لبنان لن يطبّع علاقاته مع العدو الإسرائيلي”، هذا هو الموقف الجامع لكل الفرق السياسية اللبنانية حول خواتيم المفاوضات مع كيان الاحتلال، حسبالكاتب والمحلل السياسي اللبناني غسانجواد.

ويؤكد جواد لـTRT عربي أن “المفاوضات هي تقنية اقتصادية لا أبعاد سياسية لها على الإطلاق، تأتي بإشراف الأمم المتحدة للحفاظ على حصة لبنان وثروته ومنع العدو من استغلالها. وبالتالي فهذه القضية عمرها عشر سنوات، إذ كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يتفاوض مع الأمريكيين والأمم المتحدة من أجل الاتفاق على إطار وضوابط سياسية لهذه المفاوضات”.

ويرى أنه “خلال الجولة الأولى كان واضحاً أنّ الوفد اللبناني سجّل نقاطاً جيدة. هذا لا يمنع الاعتراض الذي سجلته حركة أمل وحزب الله حول تركيبة الوفد اللبناني الذي ذهب إلى المفاوضات، لناحية إشراك مدنيين، الأمر الذي يمكن أن يستفيد منه العدو بالترويج لمفاوضات سياسية”.

ويضيف جواد: “لم يعلن أي فريق سياسي رفضه هذه المفاوضات، ولكن بالمقابل حتى القوى التي وافقت على التفاوض، لا سيما حزب الله، وافقت من مبادئ وضوابط وشروط معينة. وحين شعر الحزب أن بعض الشروط جرى الإخلال بها أصدر موقفاً علنياً، ولكن هذا الموقف لن يؤثر بشكل مباشر في استمرار المفاوضات، إلا إذا شعر لبنان بأنّ هذا الأمر سيستفيد منه العدو بشكل من الأشكال ليروّج للتطبيع”.

يُذكر أن رئاسة الجمهورية اللبنانية شكلت وفداً من أربعة أعضاء، عسكريين ومدنيين، هم العميد بسام ياسين والعقيد الركن مازن بصبوص والخبير التقني نجيب مسيحي وعضو هيئة قطاع البترول وسام شباط.

في المقابل، يضم الوفد الإسرائيلي ستة أعضاء بينهم المدير العام لوزارة الطاقة أودي أديري والمستشار الدبلوماسي لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، رؤوفين عازر، ورئيس دائرة الشؤون الاستراتيجية في الجيش.

الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً لدى الثنائي الشيعي في لبنان، وهما حزب الله و”حركة أمل”، إذ اعتبرا في بيان مشترك أن “تشكيل الوفد اللبناني بالصيغة التي وردت وضمنه شخصيات مدنية، مخالف لاتفاق الإطار ولمضمون تفاهم أبريل/نيسان عام 1996 الذي نصّ على محادثات غير مباشرة بين عسكريين من الجانبين اللبناني والإسرائيلي تحت رعاية الأمم المتحدة في الناقورة”.

وقالا في البيان إن موقفهما يأتي “انطلاقاً من التزامهما الثوابت الوطنية ورفضهما الانجرار إلى ما يريده العدو الإسرائيلي من خلال تشكيل وفده المفاوض، الذي يضم في أغلبه شخصيات ذات طابع سياسي واقتصادي”. معلنين “رفضهما الصريح لما حصل، واعتباره يخرج عن إطار قاعدة التفاهم الذي قام عليه الاتفاق، وهو مما يضر بموقف لبنان ومصلحته العليا”

توافق لبناني سياسي حول المفاوضات

ورغم الجدل الدائر حول شكل الوفد إن كان عسكرياً-تقنياً فقط أم له أطماع سياسية دبلوماسية، فإن اللافت في الأمر هو التوافق اللبناني من الفرق السياسية كافة حول أهمية المفاوضات لحماية الثورة اللبنانية وازدهار الاقتصاد اللبناني.

في هذا السياق يعبر منسق عامّ “تيار المستقبل” في الجنوب اللبناني الدكتور ناصر حمود، عن تأييد التيار لمفاوضات ترسيم الحدود لأن “لها إيجابيات اقتصادية على لبنان، رغم تأخر لبنان بهذه المفاوضات نحو 9 سنوات”.

ويقول خلال حديثه لـ TRT عربي: “ترسيم الحدود برأينا ليس اعترافاً أبداً بالدولة المحتلة أي إسرائيل، ولكن هو ربط نزاع على الشأن الاقتصادي برعاية الأمم المتحدة، وهذا لا يعني تطبيعاً مع إسرائيل”.

ويضيف: “لبنان من جهة واحدة رسم خطاً ينطلق من الناقورة باتجاه البحرغرباً بالتراجع عن الخط الذي يحقّ لنا فيه حتى لا يكون في المنطقة تضارب بيننا وبين كيان الاحتلال. ولكن قفز الأخير إلى هذا الخط، هنا رسم الأمريكي مثلثاً في المنطقة التي خسرناها وقسمها في النصف، وأعادوا لنا 400 من أصل 3000 كلم مربع خسرناها”.

ويعتبر أنه “إذا حدث تطبيع فسيكون لبنان آخر دولة تفعله مع إسرائيل، لأن لبنان هو الحلقة الأضعف في المنطقة وأكثر منطقة يمكن أن تتعرض لانتكاسات سياسية وأمنية. لذلك لا أتصور أن لبنان سيقدم على تطبيع إلا إذا كان الأمر منتهياً مع 90% من البلدان العربية. نحن خاصرتنا ضعيفة ولا نحتمل هذا الموضوع دون جوّ إيجابي عامّ عربي أو إقليمي”.

ويؤكّد أن “المفاوضات لا تأخذ مساراً تطبيعياً، لأن التطبيع لا يبدأ من أسفل، بل يبدأ بموضوع الحدود البرية ومواضيع فرض السلم ونزع السلاح والمنطقة الخضراء بين الدولتين. لذا فإن مسألة المفاوضات اقتصادية بحتة”.

أطماع أمريكية بغاز المتوسط

يشير بعض التحليلات إلى أنه في وقت كانت تلوح فيه الإدارة الأمريكية بسلسلة عقوبات جديدة ستفرض بداية الشهر الحالي على حلفاء جدد لحزب الله بعد الوزيرين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري الاتفاق على إجراء مفاوضات مع “إسرائيل” على الحدود البحرية، الأمر الذي وقف صدور العقوبات حتى الآن، ما يعني أن الإدارة الأمريكية عطلت الإعلان عن حزمة جديدة منها نتيجة ليونة حزب الله و”حركة أمل” حيال بدء المفاوضات على الحدود التي توليها الإدارة الأمريكية أهمية قصوى.

يرى المحلل السياسي والصحافي اللبناني جوني منير، أن “الجانب الأميركي أصر على إقامة المفاوضات حول ترسيم الحدود بين لبنان وكيان الاحتلال لأجل الحملات الانتخابية التي تقام في الولايات المتحدة الأمريكية”.

ويعتبر في تصريحات لـTRT عربي أن “هذه الصورة تفيد واشنطن بأن لبنان موجود مع إسرائيل في غرفة واحدة، ولو تحت رعاية الأمم المتحدة، وبالتالي تستطيع واشنطن تسويقها في الداخل لجذب أصوات اليهود، على أساس ما سبقه بموضوع التطبيع مع البحرين والإمارات، رغم تأكيد لبنان في مختلف الأصعدة أن هذه المفاوضات تقنية-اقتصادية ولن يكون لها تفاوض سياسي”.

فيما يقول الكاتب والمحلل السياسي غسان جواد لـTRT عربي، إن “لبنان واقع في قلب الثروة الموجودة على شرق المتوسط التي تشهد حالة من الاستقطاب الدولي والإقليمي لها. لذا ينبغي للبنان أن يرسّم حدوده البحرية ويستفيد منها، بخاصة في ما يتعلق بالغاز، بمعزل عن أي علاقة بإسرائيل”.

ويؤكد أن “لبنان يستطيع التعاون مع أكثر من دولة تمتلك ثروة الغاز على شرق المتوسط، لكن بالتأكيد لن يكون تعاون مع العدو الإسرائيلي. وفي حال حقق لبنان انتصاراً في هذه المفاوضات فإنّ هذه الثروة ستعود للشعب وللدولة اللبنانية التي عليها أن تبحث عن شركاء حقيقيين في هذه الثروة الموجودة في المتوسط”.

إذاً هي مفاوضات تقنية بحتة حسب ما أكدته الأوساط السياسية اللبنانية جمعاء، التي تسعى إلى وضع جدول زمني لهذه المفاوضات بحيث لا تتجاوز 6 أشهر، تناغماً مع تعهد الإدارة الأمريكية بشكل غير رسمي أن تنتهي مفاوضات ​ترسيم الحدود​ خلال 6 أشهر. فهل سيترجَم ذلك عملياً، أم سيكون مسار المفاوضات طويلاً؟

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى