أخبار تركيا

حول “نظام الدورتين” في قيادة الأحزاب

إن مناقشة نظام حصر القيادة أو الزعامة بدورتين يحتاج إلى جرأة لعدم الاستسلام لمنطقه “الديمقراطي”، وما يملكه من اتهام لمعارضيه بمعاداة الديمقراطية، أو تكريس الصنمية، وعبادة الفرد، وحكم الفرد.

اندلع في الآونة الأخيرة صراع في حزب النهضة التونسي حول التزام نظام الدورتين للرئيس أو تغييره. مما أوجب إبداء رأي نظري حول الموضوع. وذلك لأهميته بالنسبة إلى أحزاب وحركات كثيرة. فهو ليس انحيازاً إلى طرف ضد آخر، وإنما هو موقف مبدئي من “نظام الدورتين”. وقد سبق لكاتب هذه السطور أن كتب أكثر من مقالة حول الموضوع.

لقد جاءت تجربة هذا النظام سلبية في أكثر من حالة بسبب ما حدث من تغيير قسري، أو بسبب ما أدى إليه من تكتلات تؤدي إلى الانقسام. والأخطر حين يصبح الخلاف حوله تجريدياً، بدلاً من أن تكون أسباب الصراع سياسية أو مبدئية أو برامجية أو استراتيجية.

إن مناقشة نظام حصر القيادة أو الزعامة بدورتين يحتاج إلى جرأة لعدم الاستسلام لمنطقه “الديمقراطي”، وما يملكه من اتهام لمعارضيه بمعاداة الديمقراطية، أو تكريس الصنمية، وعبادة الفرد، وحكم الفرد.

أولاً: أصحاب هذه النظرية لا يفرقون بين الزعامة الشعبية والوطنية والتاريخية من جهة وبين التداول على سلطة الحكم، أو قيادة وظيفية لحزب. وأن من لا يجد فارقاً نوعياً بين هذين البعدين عنده مشكلة مع التجارب التاريخية الناجحة التي لم تتقيد بمثل هذا النظام. وكذلك مع التجارب الحديثة التي تولدت عنها سلبيات، أو لم تحقق أي نجاح، بسبب التزامها هذا النظام.

فالأمثلة كثيرة على الحالتين. الأول مثلاً، غاندي ومن بعده نهرو، أو لينين وماوتسي تونغ وهوتشي منه، وفي تاريخنا صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس، وعبد القادر الجزائري، أو جمال عبد الناصر، وسعد زغلول، والإمام حسن البنا، أو الإمام الخميني، إذ لو جرت إزاحتهم من القيادة بعد دورتين، لما تحقق ما أنجزوه من مشروعهم.

أما بالنسبة إلى التجربة الواقعية الناجحة التي قدمها “نظام الدورتين” سواء أكان عالمياً أم إقليمياً أم عربياً، فتكاد لا تذكر، إذ كان الدوران في المكان أو التراجع هو ما جاءت به أكثر من تجربة. ولا حاجة إلى الإحراج بذكرها، فيما الإيجابية إن وجدت في حالة أو حالتين فترجع إلى توفر زعامة تاريخية تمرست خارج الإطار الحركي والحزبي، ولم تكن نتاج خيار المؤسسة تبعاً لـ”نظام الدورتين”.

ثانياً: إن التمجيد الذي لا رهان عليه بدور النظام المؤسسي يحتاج هو أيضاً إلى التجرؤ على إنزاله من عليائه اللا واقعي. وذلك من خلال تأكيد أن النجاح يحكمه، إلى جانب موازين القوى، والخط السياسي الصحيح.

وهذا لا يسهل على النهج المؤسسي أن يؤمنه. لأن القيادة الجماعية بين أنداد يفرض عليها التوفيق بين الآراء، أو مراعاة الأغلبية والأقلية. وهذه بدورها قد تبتعد بسبب التوفيق (وحتى التلفيق)، عن إدارة الصراع، من خلال الخط السياسي الصحيح والخط الفكري الصحيح.

فالحكم الفيصل على الصوابية أو الخطأ، في أي خط سياسي، بالنتائج العملية الواقعية التي تترتب على الأرض. والمؤسسة ليست بأي شكل من الأشكال ضمانة للخط السياسي الصحيح، هذا من دون التطرق إلى ما يمكن أن يحصل في عملية تشكيل المؤسسة من عيوب، أو في عملية التوافق في القيادة الجماعية من مساومات. ثم ما من زعامة لا تستشير ولا يكون حولها قيادة جماعية. ولكنها هي التي تحسم في نهاية المطاف، وتتحمل مسؤولية الصواب والخطأ. أما في حالة القيادة الجماعية بين أنداد فمن يتحمل مسؤولية الخطأ في أعين الرأي العام؟ أليس الأمين العام أو الرئيس؟

ثالثاً، إن “نظام الدورتين” ليس له من مرجع في النص الإسلامي الأساسي، أو في التجربة التاريخية. بل يوجد ما يخالفه. ولكن مع ذلك من الممكن الأخذ به إن كان “صالحاً” وأثبت جدارته بالتجربة. وهو ما لم يحدث حتى الآن.

والسؤال والحالة هذه، إذا لم نضع شرط “نظام الدورتين”، فكيف يمكن تغيير الزعيم أو القائد حين تتكرر أخطاؤه، أو يتجمد عن مجاراة الأحداث، أو عندما يحدث ما يوجب التغيير؟

لا يعني عدم وجود “نظام الدورتين” تعذُّر إمكانية التغيير، لأن التغيير ممكن دائماً. ولكنه في هذه الحالة يصبح مُسبَّباً وضرورة. ويكون مبنياً على خلاف سياسي أو فكري أو مبدئي، وإلا فلماذا يوجد مؤتمر يكون سيد نفسه، ويُفترض به أن يسمح بالمنافسة في الانتخاب ويسمح بالصراع السياسي والفكري؟

فالفارق كبير من جهة التغيير بين وجود “نظام الدورتين” وعدم وجوده. فوجوده يوجب التغيير الأعمى الذي يساوي الصالح بغير الصالح، ويوجب التغيير حكماً وإلزاماً. فيما عدم وجود “نظام الدورتين” يجعل التغيير مشروطاً بضرورته، وبالحاجة إليه. ويمارَس عن وعي، ولا يخبط خبط عشواء. ولا يمنع قيادة ناجحة من الاستمرار.

فما دام يوجد مؤتمر، والمؤتمر في كل الأحزاب والحركات سيّد نفسه، ويستطيع أن يغيّر في الميثاق الأساسي نفسه وفي النظام الداخلي، وفي الاستراتيجية والسياسة. وله حق تغيير القيادة أو تغيير الزعيم أو القائد. فكيف يمكن لمن يعتبر نفسه ديمقراطياً ألا يعتبر المؤتمر هو المرجع، أو يمنعه من أن يغيّر بنداً في نظام هو واضعه.

رابعاً: إن موضوع “الانقسام أو المفاصلة بإحسان في الأحزاب والحركات” يجب ألا يصبح “مُحرماً”، أو يُعتبر مخالفة للأمر الإلهي: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا” {آل عمران: 103} لأن هذا الأمر موجّه إلى الأمة، وكمبدأ عام. ولكنه لم يمنع عملياً من الانقسامات والمفاصلة مع بقائه مهيمناً، كأمرٍ ودليل للموقف والعمل. أما إذا كان الحال حزباً أو “جماعة” أو حركة، فمن الجائز أن يُعامَل الصراع الداخلي (الاختلاف بالمفاصلة) كما يُعامَل الطلاق، باعتباره “أبغض الحلال عند الله”. لأن الطلاق يدخل في الحلال أيضاً، لا سيما في ما يتعلق بالسياسة أو انقسام الأحزاب أو وحدتها. فيوجد أمر إلهي آخر لحالات معينة “وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ” {يوسف:67}.

بل إن الانقسام أفضل من وحدة على خط سياسي خاطئ. ففي الساحة الفلسطينية كان الانقسام أفضل من وحدة على نهج اتفاق أوسلو مثلاً.

خامساً: عندما يذهب الصراع باتجاه من مع مبدأ “نظام الدورتين” ومن ضده، فهذا يعني أن وراء الأكمة خلافات سياسية عميقة تختبئ وراء خلاف نظري تجريدي. وهي التي توصل الوضع إلى مستوى إخراج الخلاف إلى الشارع. كذلك فإن الذهاب بالصراع حول “نظام الدورتين” إلى الشارع، يتجاوز ما يمكن أن يفسره البعض بالخلافات الشخصية على الزعامة والقيادة والنفوذ، فهذه أيضاً ليست السبب الرئيس في الصراع، على الرغم من ميل الكثيرين أن يفسروا مثل هذا الخلاف بأسباب شخصية، سواء أكان من هذا الجانب أو من ذاك.

ولكن في التفسير الصحيح يجب أن تُقرأ الخلافات ببُعديها السياسي والفكري (الأيديولوجي). فالمنهج الصحيح يَقرأ ما هو شخصي من خلال السياسة وليس من خلال الشخصي، ولا تُقرأ السياسة من خلال الشخصي بطبيعة الحال. لأن الصراع في الحالتين سيترجم نفسه من خلال خط سياسي وخط فكري مختلف عن الآخر لا محالة. فإن أغلب تجارب الصراعات التي فُسرت لاعتبارها صراعات شخصية على الزعامة والنفوذ، كانت تعبيراً عن سياسة وأيديولوجية محددتين لا محالة.

صحيح أن البُعد الشخصي موجود في كل موقف، ولكنه لا يُفسِّر ما ينشأ من خلاف بين المواقف، وما ينبغي للتفسير أن يضع العربة أمام الحصان.

لذلك من الأصح التفتيش عن السياسة وعن الخط الفكري، وهذان يظهران بوضوح بعد حسم الصراع والمضي قدماً بطرح المواقف السياسية والفكرية لاحقاً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى