أخبار تركيا

هل ينضمّ العراق إلى قائمة المطبعين مع إسرائيل؟

تختلط الأوراق بين مؤيدٍ للتطبيع بذريعة حل النزاعات ورافضٍ له بداعي الحفاظ على القضية الفلسطينية، فالحكومة العراقية ترفض التطبيع لكنها تناقض خطابها بعد حذفها عبارة من الجواز العراقي مفادها “يُسمح لحامل الجواز بالسفر إلى دول العالم كافةً عدا إسرائيل”.

يبدو أن قطار التطبيع الذي انطلق مؤخراً من دول خليجية لن يكون بعيداً عن المرور بالعراق، فعلى الرغم من الصورة القاتمة التي تشهدها الساحة العراقية، والصراع الإقليمي والدولي الذي يتحكم بكثير من التجاذبات السياسية، فإن قراءة متأنية لتفاصيل المشهد قد تجعلنا نخرج بنتيجة أن التطبيع مع دولة إسرائيل له أبعاد دبلوماسية تنسجم مع العلاقات الخارجية بحكومتها الجديدة.

يُعَدّ العراق الدولة الوحيدة من خارج دول الطوق مع إسرائيل التي دخلت بمعارك مباشرة مع هذا الكيان، بل ربما هو الدولة الوحيدة التي دوّت صواريخها داخل تل أبيب، بعد أكثر من عقد من سكوت مدافع دول الطوق، وتوقيع اتفاقيات سلام، كان ذلك عام 1991 عندما أطلق العراق 39 صاروخاً بعيد المدى باتجاه إسرائيل أيام الرئيس السابق صدام حسين.

خطوات نحو التطبيع

من الملاحظ أن تطبيع العراق مع إسرائيل مهمة صعبة ومعقدة، وربما ستكون من بين الملفات المؤجّلة عراقياً وأمريكياً، ولكنها لن تكون مستحيلة، خصوصاً أن أنباءً كثيرة تردّدت سابقاً عن زيارات قام بها نواب في البرلمان العراقي لإسرائيل، على الرغم من نفيهم ذلك، وحسب مراقبين للشأن السياسي فإن العراق يتعاون استخباراتياً وبشكل سري مع إسرائيل، ولكن لا يمكن إعلان ذلك نتيجة للاضطراب الداخلي في كتل الحكومة العراقية.

بهذا الصدد كشف زعيم حزب الأمة العراقية مثال الآلوسي لـTRT عربي، أن “ملف التطبيع مع إسرائيل يدخل حيز التفاوضات بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والحكومة البريطانية، وهذا كان ضمن أهم بنود التفاوضات في الزيارة الأخيرة للوفد العراقي للندن، إذ سبق هذه الزيارة الحساسة تواصل غير رسمي بين بعض الشخصيات السياسية العراقية وإسرائيل، لكن تَحكُّم إيران بالمشهد السياسي العراقي، يحول دون مزيد من التطور الدبلوماسي بين البلدين”.

وأضاف الآلوسي أن “بريطانيا دفعت في السابق وما زالت تدفع باتجاه التطبيع العراقي-الإسرائيلي، وأول لقاء جمع رئيس حكومة عراقية مع وزير خارجية إسرائيلي في مقر الأمم المتحدة، كان بتنسيق وترتيب من رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، فضلاً عن أعداد كبيرة للجالية اليهودية العراقية في إسرائيل، لذلك على العراق أن يتخلص من فكرة العداء لإسرائيل وأن يفتح أبوابه للعراقيين من أصول يهودية، لكونهم يُعتبرون مكوناً رئيسياً من المجتمع العراقي، الذي يمتلك حق العودة إلى موطنه”.

كما تابع السياسي العراقي والنائب السابق مثال الآلوسي قائلاً: “إن العراق بحاجة إلى الخروج من معسكر الحروب والتطرف والأوهام، والمضي نحو بناء علاقات مستقرة مع كل دول العالم، وذلك بهدف التخلص من الهيمنة الإيرانية وتلاعبها بالأحزاب الدينية الشيعية، وذلك سيصب في مصلحة العراق ويثبّت الاستقرار الأمني، ويطوّر التعاون السياسي بين العراق وأغلب دول العالم في حال حدث التطبيع مع إسرائيل”.

قد يصدر قرار التطبيع من النجف

ما زالت أصداء الادعاءات الأخيرة لنائب رئيس الوزراء العراقي السابق بهاء الأعرجي بشأن التطبيع مع الكيان الصهيوني تتردد في الساحة العراقية، إذ واجهت هذه التصريحات ردود فعل رافضة من جانب العراقيين الذين اتهموا الأعرجي بمحاولة تضليل الرأي العام، كما حذر البعض من مشروع درسته الولايات المتحدة وإسرائيل وأدواتهم في المنطقة لفرض التطبيع على دول المنطقة.

في هذا السياق صرّح بهاء الأعرجي لـTRT عربي بأن “من الضروري أن نعترف بأن العراق مهيّأ جداً لتطبيع علاقاته مع إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، وقد يصدر القرار من النجف لا من بغداد، وستدخل الولايات المتحدة على الخط وتنسّق الإجراءات الدبلوماسية إلى حين التوقيع على معاهدة السلام، وبداية العلاقات السياسية والاقتصادية”.

ويبدو أن هذا التصريح أثار حفيظة المقربين من زعيم التيار الصدر مقتدى الصدر، إذ اتهم حساب “صالح محمد العراقي” على تويتر، الحساب الذي يديره الشخص المقرب من مقتدى المعروف بأنه وزير الصدر، إذ وصف الأعرجي في تغريدته بأنه “عدو النجف”، موجهاً تهديداً صريحاً كتب فيه: “إن لم يتأدّب أدّبناه”.

وبخصوص التهديد شديد اللهجة ردّ بهاء الأعرجي القيادي السابق في التيار الصدري وأوضح لـTRT عربي قائلاً: “هناك خصوم تحاول تحريف كلامي، فتصريحاتي كانت للتنبيه، لا للمطالبة بالتطبيع مع إسرائيل، وأنفي أن يكون المقصود بكلامي المرجع الديني السيد علي السيستاني، أو السيد مقتدى الصدر”.

وختم الأعرجي تصريحه بقوله: “لما هذه الازدواجية والتحيز؟ فاشتراك حزب الله اللبناني في مفاوضات ترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية يمضي ضمن اتفاقية معلنة، وعلى الرغم من ذلك لم يتعرّض الحزب للتخوين أو الاتهام نتيجة ذلك، فلماذا تُتّهَم القيادات الشيعية في العراق وتُشوَّه صورتهم أمام جمهورهم؟ وعلينا أن ننفتح على الدول الأخرى في سبيل إنقاذ اقتصادنا، بشرط عدم اختراق سيادة الدولة العراقية”.

موقف الحكومة العراقية

يؤشر مجمل المواقف والتوجهات الرسمية وغير الرسمية العراقية على امتداد عقود من الزمن إلى رفض الوجود الصهيوني في فلسطين، ورفض كل مشاريع التطبيع التي أقدم عليها بعض الأطراف العربية والإسلامية. لكن على الرغم من ذلك تحاول إسرائيل نشر ثقافتها إعلامياً عن طريق إطلاق وزارة الخارجية الإسرائيلية حساباً موثقاً على مواقع التواصل الاجتماعي باسم إسرائيل باللهجة العراقية في محاولة لفتح العلاقات الثنائية بين الشعبين، إلا أن القرار الحكومي ما زال يرفض التطبيع.

وبخصوص خطابات التطبيع العراقي-الإسرئيلي تحدث أحمد ملا طلال المتحدث باسم رئيس الحكومة العراقية وأكد لـTRT عربي قائلاً: “إن القانون العراقي حسب الدستور العراقي المتفَق عليه ينصّ على منع التطبيع مع دولة إسرائيل. وما حدث من توقيع معاهدة سلام بين بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، هو شأن داخلي لتلك الدول، وهي أدرى بوضعها السياسي وعلاقاتها الخارجية”.

وتابع ملال طلال: “قد تكون لدى بعض الأحزاب والتيارات السياسية استثناءات، وقد تكون من هذا الطرف أو ذاك مواقف وخطوات وتحركات غير معلنة في مرحلة ما أو مراحل، بيد أن تلك الاستثناءات والمواقف والخطوات والتحركات غير المعلنة، لا تغيّر المسار العامّ للشعب العراقي وحكومة البلاد التي تعلن دعمها لصيانة قضية فلسطين والحفاظ على عاصمتها القدس”.

كما لفت المتحدث الرسمي باسم الحكومة إلى أن “بعض أطراف سياسية يوجه جمهوره نحو قبول التطبيع مع إسرائيل، وتنتمي هذه الأطراف إلى كتل سياسية كبرى، وهذا بحد ذاته يعكس تفاوتاً بين القوى السياسية داخل الحكومة، لذلك على الزعماء فرض تعليمات صارمة على ممثلي الأحزاب لعدم التثقيف نحو توريط الحكومة بملفّ التطبيع، فالعراق يعيش حالة من الاضطراب السياسي، وعلى جميع السياسيين التزام الوطنية واحترام مشاعر الشعب الفلسطيني”.

رفض الأحزاب الحاكمة

رفضت قوى سياسية وشعبية الأصوات التي تطالب بضرورة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وأعلنت الأحزاب السياسية دعمها للقضية الفلسطينية، وتذكر المسؤولون تلك الأرواح التي ضحّت من أجل تحرير فلسطين في الحروب التي خاضها الجيش العراقي لتخليص الشعب الفلسطيني من هيمنة واحتلال إسرائيل، وأكدت الكتل العراقية في البرلمان مساندتها وتوصيل صوت الشعوب العربية إلى المجتمع الدولي إلى حين تحقيق المطالب المشروعة بالعيش بكرامة.

من جانبه شدد محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب، على أن العراق يرفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وقد تحدث لـTRT عربي عن قرار البرلمان مؤكداً: “نعلن وقوف العراق مع الشعب الفلسطيني ونَيل حقّه في إقامة دولته المستقلة على كامل أراضيه، ونرفض كل أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، وكل محاولات فرض المشاريع المنحازة، ومحاولات تمريرها عبر سياسة فرض الأمر الواقع”.

وتابع الحلبوسي الذي يمثّل الجناح السُّنّي باعتباره رئيس تحالف البناء قائلاً: “الكتل السياسية متفقة على عدم السماح بأي محاولة لتطبيع العلاقات العراقية الإسرائيلية، لأن ذلك يهدّد أمن المنطقة، ويخترق مبادئ حقوق الإنسان، والعراق لن يصبح أداةً لقبول الاعتراف بإسرائيل، فهذه القضية تتعدى المصالح الدبلوماسية وتدخل في خطر سلب إرادة الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والعيش بحرية”.

وعلى ذات الصعيد قال النائب غايب العميري عن تحالف سائرون، لـTRT عربي: “إسرائيل دولة عدوّة للشعب العراقي والعالم العربي، وتمارس ضد الشعب الفلسطيني الأعزل أبشع الجرائم، ونرفض أيّ خطوة لتطبيع العلاقات معها، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تدرك أنها غير قادرة على إجبار العراق على التطبيع مع الكيان الصهيوني”.

وتابع العميري: “واشنطن غير قادرة على جعل العراق جزءاً من التطبيع مع الكيان الصهيوني تحت أي ظرف، والسبب وجود المرجعية الدينية الرشيدة في البلاد، فضلاً عن وجود فصائل المقاومة التي ستقف سدّاً منيعاً أمام أي محاولة للتطبيع مع إسرائيل”.

وأضاف: “لا تريد إسرائيل عراقاً مزدهراً، بل تريده كما هو بلداً مضطرباً غارقاً في حروبه الداخلية، وليس لديها ما تنفقه على العراق، بل على العكس هي تأخذ ولا تعطي، وتحاول إسرائيل استغلال العراق كما فعلت مع الدول الخليجية، فقد نفّذت مشاريع استثمارية واستنفدت النفط مقابل الحفاظ على السلام ودعم الخليج استخباراتياً وأمنياً، ولكن على حساب مشاعر الشعب الفلسطيني”.

تختلط الأوراق بين مؤيدٍ للتطبيع بذريعة حل النزاعات، ورافضٍ للتطبيع بداعي الحفاظ على القضية الفلسطينية، فالحكومة العراقية ترفض التطبيع ولكنها تناقض خطاباتها بعد حذفها عبارة من الجواز العراقي مفادها “يُسمح لحامل هذا الجواز بالسفر إلى دول العالم كافةً ما عدا إسرائيل”، وبذلك رفعت السلطات العراقية الحظر عن زيارة إسرائيل. ومن ناحيةٍ أخرى يمضي توجه التيار المدني للتعاون مع إسرائيل، وذلك بهدف التخلص من التدخلات الإيرانية التعسفية، في ظل استنكار حزبي من الكتل الحاكمة في البرلمان العراقي، ويبقى المشهد معلقاً ينتظر إجاباتٍ صريحة قد ترى النور في الأيام القادمة.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى