أخبار تركيا

103 أعوام على “وعد بلفور”.. مأساة يُعيدها ترمب

فيما تحلّ الذكرى الثالثة بعد المئة لصدور “وعد بلفور” الذي منحت بموجبه بريطانيا “التي لا تملك”، أرض فلسطين للحركة الصهيونية “التي لا تستحق”، يتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، بخاصة بعد إعلان دول عربية تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

ذكرى وعد بلفور الثالثة بعد المئة تأتي هذا العام وسط تزايد المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية
ذكرى وعد بلفور الثالثة بعد المئة تأتي هذا العام وسط تزايد المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية
(AA)

تحل الاثنين الذكرى الثالثة بعد المئة، لصدور “وعد بلفور” الذي منحت بموجبه بريطانيا “التي لا تملك”، أرض فلسطين للحركة الصهيونية “التي لا تستحق”.

وكان هذا الوعد الأساس الذي أنشأت بموجبه دولة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، وتسبب في تشريد جماهير الشعب الفلسطيني، وعدم تمكنه من تأسيس دولته المستقلة حتى الآن.

وتأتي الذكرى هذا العام وسط تزايد المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، وتهدد بتصفيتها.

فالاهتمام بالقضية الفلسطينية يتراجع، بخاصة مع إعلان دول عربية تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، دون انسحاب الأخيرة من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

وكانت القيادة الفلسطينية تعوّل في إقامة الدولة المستقلة على تنفيذ المبادرة العربية لعام 2002، التي تربط “تطبيع العلاقات” مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

كما تهدد “صفقة القرن”، وهي خطة سياسية أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بداية العام الجاري، بتصفية القضية الفلسطينية، إذ تضغط على الفلسطينيين للتنازل عن حقوقهم، التي أقرّتها قرارات الشرعية الدولية.

في هذا الصدد، اعتبر مراقبون فلسطينيون في تصريحات لوكالة الأناضول، أن خطة ترمب تتقاطع مع وعد “بلفور”، من ناحية أهدافها القائمة على إضاعة الحقوق الفلسطينية.

وعد بلفور

بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، بعث وزير خارجية بريطانيا آنذاك جيمس بلفور، برسالة عُرفت فيما بعد باسم “وعد بلفور”، إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية، وجاء في نص الرسالة أن “حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل عظيم جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية”.

وزعم بلفور في رسالته، أن بريطانيا ستحافظ على حقوق القوميات الأخرى المقيمة في فلسطين، وهو ما لم تلتزمه. وتزامن الوعد مع احتلال بريطانيا كامل أراضي فلسطين التاريخية، خلال الحرب العالمية الأولى.

وبعد مرور عام أعلنت إيطاليا وفرنسا موافقتهما عليه، لتتبعها موافقة أمريكية رسمية عام 1919، ثم لحقت اليابان بالركب في العام نفسه.

وخلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين (1917-1948)، عملت لندن على استجلاب اليهود من جميع دول العالم وتنظيمهم وتقديم الدعم لهم، لتأسيس دولة إسرائيل.

أهداف بريطانيا

يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد المجيد سويلم أن وعد بلفور جاء لتحقيق جملة من الأهداف التي سعت لها بريطانيا آنذاك، لإنجاح مشروعها الاستعماري في الشرق الأوسط.

وقال سويلم للأناضول إن “وعد بلفور كان خطة لتقسيم المنطقة العربية، وزرع كيان يفصل بلاد الشام عن مصر”.

ورجّح أن “بريطانيا آنذاك رأت أن الوحدة العربية تشكّل خطراً على مشروعها الاستعماري المستقبلي الذي كانت تخطط له، منذ توقعيها اتفاقية سايكس بيكو السرية عام 1916، لتقسيم الشرق الأوسط بينها وبين فرنسا”.

وأضاف سويلم أن هذا الوعد جاء ضمن سياق رغبة بريطانيا في “التخلص من الوجود اليهودي في الغرب”، إضافة إلى الاستفادة منه في تقسيم المنطقة العربية.

لكن سويلم أكّد أن الفلسطينيين لم يستسلموا للمؤامرات طوال العقود الماضية، وما زالوا يناضلون للحصول على حقوقهم، مضيفاً أن “المشروع الصهيوني معزول من الناحية السياسية رغم حالة التطبيع العربي مع إسرائيل”.

تنفيذ الوعد

في 1917 احتلت القوات البريطانية القادمة من مصر، القسم الجنوبي من فلسطين من الدولة العثمانية، وفرضت عليها حكماً عسكرياً.

وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، دخل قائد القوات البريطانية الجنرال إدموند أللنبي مدينة القدس، في خطوة أثارت مشاعر الابتهاج في أوروبا وأمريكا، إذ وقعت القدس لأول مرةٍ تحت سيطرة الأوروبيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 1187 بعد تحريرها من الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي.

وكانت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية اتفقت على تقسيم بلاد الشام بينها في اتفاقية سايكس-بيكو السرية المبرمة في 16 مايو/أيار 1916 بين الأطراف الثلاثة.

وجرى الاتفاق على أن تكون منطقة فلسطين (من بئر السبع جنوباً إلى عكا شمالاً تقريباً) منطقةً دوليةً، ولكن بعد انتهاء الحرب عدلت بريطانيا عن هذا البند من الاتفاقية، وأرادت إنشاء معبرٍ أرضيٍّ متصلٍ بين الخليج العربي وميناء حيفا، فضلاً عن سعيها لتأسيس دولةٍ صهيونيةٍ في فلسطين.

وفي أبريل/نيسان 1920، اجتمع مندوبو “دول الاتفاق” (أي فرنسا وبريطانيا، بعد خروج روسيا منه) المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في مدينة سان ريمو الإيطالية في ما سُمّيَ “مؤتمر سان ريمو” لتعديل اتفاقية سايكس-بيكو وتقرير الشكل النهائي لتقسيم الأراضي التي احْتُلّت من الدولة العثمانية.

وفي هذا المؤتمر اتفق الطرفان على منح فلسطين لبريطانيا وتعديل المتفق عليه سابقاً. وفي 1922 أقرت عُصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين.

وفي قراءة سابقة لوعد بلفور، قال محسن صالح مدير عام “مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات” (فلسطيني مقره في لبنان)، إن بريطانيا خلال احتلالها فلسطين، طبّقت الشقّ الأول من وعد بلفور بإنشاء “وطن قومي لليهود في فلسطين”.

لكنها لم تلتزم شقه الثاني الذي يتضمن عدم الإضرار بحقوق الفلسطينيين الذين كانوا يشكِّلون في ذلك الوقت نحو 92% من السكان وفق التقديرات البريطانية نفسها.

وفي 1948، عند خروج بريطانيا من فلسطين، سلّمت الأولى الأراضي الفلسطينية لـ”منظمات صهيونية مسلّحة”.

وارتكبت تلك المنظّمات مجازر بحق الفلسطينيين، وهجّرتهم من أراضيهم لتأسيس دولتهم عليها، في ما عُرف فلسطينياً بـ”النكبة”.

ووقعت ثلاثة أرباع فلسطين آنذاك تحت السيطرة الإسرائيلية، في حين حكم الأردن الضفة الغربية، وخضع قطاع غزة للإدارة المصرية.

وبعد 19 عاماً (أي عام 1967) احتلت إسرائيل الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة مع شبه جزيرة سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان السورية.

وبعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، خضعت المدن الرئيسية في الضفة الغربية (دون القدس) وقطاع غزة، للحكم الذاتي الفلسطيني.

بين بلفور وترمب

يرى المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي وديع أبو نصار أن وجه الشبه بين “وعد بلفور” و”خطة ترمب” يكمن في أن الطرفين لا يملكان الأرض، لكنهما يقدّمانها هدية لمن لا يستحق (اليهود).

ويقول أبو نصار لوكالة الأناضول: “بريطانيا أعطت اليهود أجزاءً من فلسطين، وهي لا تملك الأرض، وكان ذلك قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين (عام 1920)، واليوم تعطي واشنطن إسرائيل القدس وأجزاء من الضفة وهي لا تملكها”.

ويعتقد أبو نصار أن الوعد البريطاني والخطة الأمريكية، رغم فائدتهما لإسرائيل، فإن حجم ضررهما العائد عليها أكبر.

ويتابع: “هذه الخطوات السياسية وضعت إسرائيل في حالة عداء مع مئات آلاف العرب والمسلمين (على الصعيد الشعبي)، فنتيجتهما عكسية”.

على جانب آخر فإن الظروف التي عاشتها المنطقة العربية خلال وعد بلفور وخطة ترمب تكاد تكون متشابهة، وفقاً لما يراه أبو نصار.

ويوضح: “العرب في أضعف حالاتهم، وهم مهمَّشون ومشتَّتون وبلا رؤية استراتيجية سياسية، ولا خطط لمواجهة المؤامرات”.

ومثلما سعى وعد بلفور لتفكيك المنطقة العربية، تهدف خطة ترمب إلى تحقيق نفس الهدف من خلال توسيع حالة التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل، وفق أبو نصار.

ويرى المحلل الفلسطيني أن “التطبيع وإعادة بلورة إسرائيل في المنطقة العربية، من شأنهما المحافظة على السيطرة والنفوذ الأمريكيَّين في الشرق الأوسط”، وتقويض “الوجود الصيني والروسي في المنطقة”.

ويقول إن ذلك الهدف يتفق أيضاً مع وعد بلفور الذي سعى للحفاظ على الوجود البريطاني في الشرق الأوسط، معتبراً الخُطّتين جزءاً من صراع القوى الكُبرى على المنطقة.

وضمن خطة ترمب، اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقطعت مساعداتها عن الفلسطينيين ووكالة “أونروا”، وأغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية على أراضيها، واعتبرت الاستيطان الإسرائيلي بالأراضي الفلسطينية شرعياً، واعترفت بسيادة تل أبيب على الجولان السوري المحتل.

كما ألغت الخطة القيود التي كانت تمنع استخدام المساعدات الأمريكية المخصصة للتعاون العلمي في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وسمحت لإسرائيل بضم 30% من الضفة الغربية إضافةً إلى القدس الشرقية.

ورغم ذلك يرى أبو نصّار عدداً من الاختلافات في ظروف إصدار الوعد البريطاني، والخطة الأمريكية، يكمن أبرزها في “الوضع السياسي لليهود”، لافتاً إلى أن “اليهود في فترة وعد بلفور كانوا مشتَّتين ويعيشون حالة من القلق والترقُّب لمصيرهم ووضعهم السياسي، لكنهم اليوم يعيشون في دولة قوية”.

المصدر: TRT عربي – وكالات

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى