أخبار تركيا

ماذا حدث يا سيد ترمب؟

تشتد المنافسة بين الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترمب وخصمه الديمقراطي جو بايدن على حسم نتيجة الانتخابات. مع تقدم بايدن، هل باتت حظوظ ترمب في الفوز مستحيلة؟

عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض تبدو مستحيلة.

يحتاج جو بايدن إلى ولايتين من أصل الولايات الخمس الحاسمة المتبقية لإعلان فوزه بالبيت الأبيض، وهو الذي كان قد أعلن شبه انتصار الأربعاء وهو يخاطب الأمريكيين بلغة رئاسية مترفعة عن الانقسام القاسي في المجتمع الأمريكي.

منافسه الرئيس ترمب، الذي يتجه إلى خسارة محقَّقة، كان في المقلب الآخر يعلن رفع دعاوى قضائية في ثلاث ولايات دفعة واحدة، طاعناً على نزاهة العملية الانتخابية “المقدسة” عند الأمريكيين، وموضحاً بما لا يقبل الشك أنه لن يشهر خسارته في الانتخابات.

إلى أين يتجه المشهد الأمريكي؟

السيناريوهات مفتوحة. ليس إذا حقق بايدن فوزاً مريحاً في أريزونا ونيفادا وبنسلفانيا مثلاً، هو الذي لا يلزمه للوصول إلى 270 صوتاً من الكلية الانتخابية إلا 17 صوتاً (وفي حالة قناة فوكس 6 أصوات لأنها بكّرت في حسم أريزونا لصالحه).

لا مفاجآت كبيرة حتى اللحظة، وليس هناك مفاجآت متبقية. لا شك أنها انتخابات شديدة الإثارة بسبب دونالد ترمب أولاً وأخيراً، ولا شك أنها واحدة من أهم المعارك الانتخابية، والدليل الإقبال الأكبر في تاريخ أمريكا على التصويت.

لكنها خالية من الدراما. استطلاعات الرأي كلها أشارت إلى فوز مرتقَب لبايدن. وعزّزها الإقبال الكثيف على الاقتراع المبكّر وبالبريد. وما لم تتوقعه الاستطلاعات قاله الخبراء في الانتخابات: النتائج لن تُحسَم من اليوم الأول. الخبراء توقعوا أيضاً أن تكون الأرقام في صالح ترمب في البداية ثم تتغير حين يبدأ الفرز البطيء للتصويت بالبريد الذي شجع عليه الديمقراطيون وتخوف منه ترمب من البداية واعتبره سبباً في أكبر عملية تزوير للانتخابات.

لا دراما إذاً. المرشحان تقاسما الولايات المحسوبة على حزبيهما. مناصرو الحزب الجمهوري لم يتخلوا عن ترمب كما كان يأمل الديمقراطيون.

نحو 63 مليون أمريكي صوّتوا لصالح ترمب في عام 2016. حتى اللحظة، تخطى الصوت الشعبي لترمب 68 مليون ناخب (بايدن يقترب من هامش 73 مليوناً، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الانتخابات). لم يخسر دونالد ترمب قاعدته الشعبية إذاً، على الرغم من كل الهجوم المركَّز عليه في موضوع التعامل مع جائحة كورونا كالاضطرابات العرقية بعد مقتل جورج فوليد تحت ركبة شرطي أبيض.

هل تخلى عنه المتعلمون البيض ونساء الضواحي والمسنون كما كانت تشير استطلاعات الرأي؟ هذه قراءة في الأرقام تحتاج إلى وقت. ما يبدو واضحاً هو أن ترمب لم يخسر الولايات المحسوبة تاريخياً للجمهوريين الذين يشكّلون فيها أكثرية. هذه قضية انتماء سياسي وهُوية عرقية وثقافية واجتماعية ودينية ليس من السهولة أن تتبدل بسبب فيروس، ناهيك بقضية جورج فلويد وما أثارته الاحتجاجات العنيفة من مخاوف من انفلات الأمن.

هؤلاء الجمهوريون الذين يعيشون في ريف ولاياتهم بعيداً عن مدنها، لم يثقوا بالديمقراطيين وليبراليتهم وأفكارهم المتعلقة بالهجرة والسلاح والمناخ والإجهاض، حتى إنهم ليسوا بالضرورة ضد خطاب ترمب في ما يتعلق بالفيروس، وأيدوه في الوقوف ضد إغلاق المصالح العائلية الصغيرة والقضاء على الوظائف اليومية. وبين الاختباء في البيت خوفاً من مرض خفي، والنزول إلى العمل وتأمين طعام يومي على المائدة، فضّل كثير من الأمريكيين رؤية ترمب على مواقف خصومه.

إلى عامة الجمهوريين، جذب ترمب مناصرين مختلفين، ليسوا بالضرورة جمهوريين أصلاً، هم العنصريون البيض الذين وجدوا فيه ما يشبه المخلّص من الصوابية السياسية ومن خطاب الاعتذار عند الرجل الأبيض. هؤلاء باتوا الآن يحملون علمين، الأول الرسمي الأمريكي والثاني باسم ترمب نفسه. الترمبيون الجدد هم خلاصة السنوات الأربع من وجود ترمب في البيت الأبيض، والأرجح أنهم باقون بعد رحيله.

لم يخسر ترمب جمهوره، فماذا حدث له كي يجد نفسه هنا، بالقرب من الخسارة؟

بدايةً، خصمه هو جو بايدن. المرشح الذي بدا أضعف المتنافسين مع بداية انتخابات الديمقراطيين التمهيدية، سرعان ما شقّ طريقه بسرعة هائلة ليزيح منافسيه بسرعة هائلة. بايدن هو السياسي المجرّب الذي يطمئنّ إليه الأمريكي العادي، الذي يريد أن يتابع حياته وفق الجدول الموضوع مسبقاً، ويفضّل الهدوء على ضوضاء دونالد ترمب المستمرة بلا انقطاع مذ قرر دخول معترك السياسة.

ابن الطبقة الوسطى ليس زاهداً في السياسة، ولديه مواقفه الواضحة في ما يتعلق بالقضايا العامة، وبايدن هو أفضل الممكن الآن للتخلص من ترمب، كما أنه مصدر ثقة بأنه سيعيد للسياسة رشدها. هذا العادي قد يشمل الديمقراطيين والمستقلين، وقد كان معنيّاً بالمشاركة هذه المرة أكثر من المرة الماضية التي ظلّ فيها ترشيح ترمب مزحة بالنسبة إليه، حتى استيقظ عليه رئيساً.

التقدميون، والاشتركيون، واليساريون، أنصار بيرني ساندرز، تَقبَّلوا هزيمة مشروعهم من البداية، واستطاعوا أن يفاوضوا بايدن على ما يرونه مكاسب مطلبية لهم. ولم يشعروا بأن الحزب خانهم كما في المرة الماضية بانحيازه الشديد لهيلاري كلينتون. لم يصلوا إلى الانتخابات وشعور المرارة يلاحقهم، كما أن دونالد ترمب رئيساً هو أسوأ كوابيسهم. هؤلاء أيضاً وجدوا أنفسهم معنيين هذه المرة.

يبقى الأفارقة الأمريكيون. هؤلاء، بإقبالهم الكثيف على الاقتراع ساهموا على الأرجح في فوز بايدن بولايات حاسمة مثل ميشيغان وويسكنسون، وفي إبقاء المنافسة شديدة بين بايدن وترمب في بنسلفانيا وجورجيا ونورث كارولينا (وقد ينتهي بعضها أو كلها لصالح بايدن). هذه الحماسة تحققت سابقاً مع باراك أوباما، وتتحقق ثانية، ليس مع بايدن فحسب بل ضد دونالد ترمب أيضاً.

كثرة خصومه هزمته. دونالد ترمب ماهر في صناعة مناصرين له، لكنه أكثر مهارة في صناعة الأعداء، وهذا ما قضى عليه في نهاية المطاف.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى