أخبار تركيا

السيطرة والادعاءات الأخلاقية… لماذا تنسحب أمريكا من المنظمات الدولية؟

تعتمد فكرة السيطرة الأمريكية على المنظمات الدولية من خلال مساعدات واشنطن الكبيرة المقدمة لها، ما يعني أن هذه المساعدات مرهونة بمدى موافقة المنظمات الدولية للسياسة الأمريكية، حتى لو كانت مخالفة للقوانين الدولية، أو الأخلاق العالمية التي تدّعيها أمريكا

فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على مسؤولين كبار في المحكمة الجنائية الدولية مطلع سبتمبر/أيلول الحالي، بمن فيهم رئيسة الادعاء فاتو بنسودا، كسلوك دارج يتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المستقلة.

فقد جاءت العقوبات بعد مطالبة بنسودا بالتحقيق إن كانت القوات الأمريكية قد ارتكبت جرائم حرب في أفغانستان، وقبلها المطالبة بتحقيقات ضد إسرائيل في ارتكاب جرائم خطيرة ضد مدنيين فلسطينيين.

يقول باسم حتاحت المتخصص في شؤون المنظمات والهيئات الدولية لموقع TRT عربي: “الشوفينية الأمريكية تحت شعار نحن أمريكا، أو أمريكا أولاً، لا تسمح لأحد أن ينافسها على سيادة العالم، تحديداً المنظمات الدولية التي ساهمت أمريكا في بنائها بادعاء الدافع الأخلاقي، لكن حين وصل الأمر إلى عالم جديد متعدد القطبية تشارك فيه عدة قوى ضمن هذه المنظمات أخرجت أمريكا عصا الابتزاز”.

لذا تعتمد فكرة السيطرة الأمريكية على المنظمات الدولية من خلال مساعدات واشنطن الكبيرة المقدمة لهذه المنظمات، ما يعني أن هذه المساعدات مرهونة بمدى موافقة المنظمات الدولية للسياسة الأمريكية، حتى لو كانت مخالفة للقوانين الدولية، أو الأخلاق العالمية التي تدّعيها أمريكا.

يضيف حتاحت قائلاً: “أمريكا تريد عالماً على مزاجها وضمن سياساتها، وإلا فلن تشارك أحداً ولن تدفع لأحد.. فهي ترى نفسها شرطي العالم، والضابط الأخلاقي له، وأي اعتراض أممي على السياسة الأمريكية، حتى لو كان بالإجماع أو من داخل القوانين الدولية، فهو مرفوض أمريكياً”.

انسحابات متكررة تهدد الاستقرار العالمي

اتخذ ترمب منذ وصوله إلى البيت الأبيض سلسلة انسحابات وتهديدات متتالية بحق المنظمات الدولية، فقد انسحب من هيئات الأمم المتحدة التي تحكم الصحة وحقوق الإنسان، والاتفاقيات العابرة للقارات ومتعددة الأطراف مثل اتفاقية المناخ، والسيطرة على الأسلحة، وفرض ترمب قيوداً جديدة على الهجرة، ومعارك جمركية مختلفة.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018 انسحبت إدارة ترمب من معاهدة الخدمة البريدية “أجواء مفتوحة”، وألغت الاتفاق البريدي الذي عمره 144 عاماً مع الصين كوسيلة ضغط تحد من نفوذ الأخيرة عالمياً، وفي أبريل/نيسان 2019 انسحبت أمريكا من معاهدة تجارة الأسلحة الدولية التي تبنتها الأمم المتحدة لإضفاء طابع أخلاقي على التجارة الدولية للأسلحة، وعلق ترمب قائلاً: “إن حكومتي لن تصادق أبداً على المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة”.

واستمر مسلسل الانسحابات ففي أغسطس/آب2019 انسحبت أمريكا رسمياً من معادلة الأسلحة النووية متوسطة المدى متهمة روسيا بخرق الاتفاقية التي نشأت عام 1987، ورد بوتين بتعليق عمل بلاده بالمعاهدة ذاتها، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية رسمياً من اتفاقية باريس لتغير المناخ، واتهم ترمب في وقت سابق علماء المناخ بأنهم ينطلقون من أجندات سياسية، بعد تحذيرهم من مخاطر تجاوز الاحترار.

وكانت أخطر التهديدات والانسحابات الأمريكية وقف إدارة ترمب الاشتراكات المالية الأمريكية في منظمة الصحة العالمية منتصف أبريل/نيسان 2020 في أوج انتشار فيروس كورونا عالمياً، ما اعتبره البعض سقوطاً أخلاقياً للإدارة الأمريكية في أكبر الأزمات العالمية الحاصلة، إذ تعتبر أمريكا المساهم المالي الأكبر للمنظمة، فقد دفعت عام 2019 للمنظمة 400 مليون دولار.

انسحابات لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي.. هل إسرائيل فوق القانون الدولي؟

أدانت وهددت الولايات المتحدة الأمريكية السلطة الفلسطينية في حال استمرار انضمامها إلى المنظمات الدولية، تزامن ذلك مع تهديد الاحتلال الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية بوقف إيرادات المقاصة، التي تمثل ركيزة التمويل الأساسية لموازنة السلطة، في حال استمرت الأخيرة في الانضمام إلى المنظمات والمعاهدات الدولية.

يرى المتتبع لسياق الانسحابات أو التهديدات الأمريكية أن جزءاً مهماً منها جاء بصورة مباشرة لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي، بدءاً من منظمة “اليونسكو” إلى مجلس حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2017 قررت أمريكا الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” انحيازاً لإسرائيل التي تبعتها بالانسحاب، وأوقفت أمريكا مساعداتها المالية للمنظمة، بعد قرار اليونسكو اعتبار مدينة القدس إسلامية، ولا يوجد أي ارتباط لليهود بالمقدسات الدينية فيها، خاصة الحرم القدسي الشريف.

تجدر الإشارة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما توقفت عام 2011 عن دفع مخصصاتها المالية السنوية التي تمثل 22٪ من ميزانية اليونسكو بعد أن قبلت المنظمة بفلسطين عضواً كامل العضوية فيها، بصفته حقاً طبيعياً للفلسطينيين وفق الشرعية الدولية للاستقلال وتقرير المصير، في حين أن إدارة أوباما أقرت بأن سبب تعطل المفاوضات وعملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل هو الاستمرار في بناء المستوطنات.

وفي يونيو/حزيران 2018 انسحبت إدارة ترمب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعد تصويت المجلس لمصلحة إجراء تحقيق في سقوط قتلى مدنيين في قطاع غزة، متهماً إسرائيل بالاستخدام المفرط للقوة، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه انسحبت إدارة ترمب من بروتوكول اتفاقية فيينا الاختياري لحل النزاعات، بعد تقديم السلطة الفلسطينية طعناً على قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

يعلق حتاحت على هذه الانسحابات قائلاً: “تردد القول في إدارات أمريكية سابقة فترة بيل كلينتون وجورج بوش الابن: نحن أمريكا، نحن نريد أن يكون هذا الأمر، ونحن نحدد معالم السياسة الخارجية العالمية، وفق ثلاث نقاط: القوة والجاذبية العامة كقيم ديمقراطية، الاقتصاد الأمريكي المستقر والمعتمد على الأسواق المفتوحة، القوة العسكرية الأمريكية”.

ترمب وعقلية التاجر… الاقتصاد أولاً

تعتبر أمريكا نفوذها المالي داخل المنظمات الدولية جزءاً مهماً من نفوذها السياسي والاقتصادي العالمي، لذا يرتهن تمويلها لهذه المنظمات بمدى استجابة الأخيرة لها، ويتعدى الأمر وقف التمويل إلى التهديد ثم الانسحاب رفضاً لأي مشاركة دولية في صناعة السياسات العالمية، على الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه الولايات المتحدة داخل هذه المنظمات، لكن التوجه منذ ترمب يركز على الحسابات الاقتصادية بشكل أكبر.

يقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا شكندالي: “تمثل الولايات المتحدة الأمريكية الحصة العليا في رأس مال صندوق النقد الدولي بنسبة 17٪، وهي نفس الحصة العليا في حق التصويت، لذا ترتبط بعض سياسات النقد الدولي بالمصالح الأمريكية، حيث يوجه الصندوق مساعداته أكثر للدول التي تراعي المصالح الأمريكية”.

ثم يضيف شكندالي لموقع TRT عربي: “قلّص فيروس كورونا من منسوب الثقة في العولمة، وجدوى المنوال الليبرالي، وأجج النزعة القومية، ودفع دولاً كبرى من بينها الولايات المتحدة الأمريكية إلى تفضيل مصالح مواطنيها على مساعدة الآخرين”.

لذا يمكن القول إن السياسة الأمريكية تتطابق قياساً في كل المنظمات الدولية التي تدعمها، أو تستحوذ على نسبة التمويل العليا فيها، وقد برز التحدي الاقتصادي الأمريكي أمام زيادة النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط تحديداً الشركات الصينية في إفريقيا ضمن خريطة النفوذ الصيني المنطلق من مشروع “طريق الحرير”.

وفي السياق السابق يرى أنس رخا الباحث في الاقتصاد والتجارة الدولية في جامعة القاهرة أن ترمب يفكر بعقلية التاجر، بعيداً عن أي اتفاقيات مشتركة ضمن إطار المنظمات الدولية حتى لو كان الهدف من مسارها أخلاقياً.

ويقول رخا لموقع TRT عربي: “تهدف الإدارة الأمريكية من قراراتها بالانسحاب أو التهديد بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية من دون الحوار مع شركائها الدوليين، إلى الحصول على أفضل المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية الممكنة عن طريق إعادة التفاوض حول تلك الاتفاقيات”.

وتعريجاً على ما سبق يضيف شكندالي: “قد يمثل الضعف الأمريكي داخل المنظمات الدولية من بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دافعاً إجبارياً للمنظمتين إلى إعادة النظر في سياساتهما الاقتصادية التقشفية الموجعة، والتي تتطلب مزيداً من التضحية من الشعوب الفقيرة لمصلحة الليبرالية، أو إصلاحات اقتصادية غير مجدية تستنزف الموارد الطبيعية الهائلة للدول المتلقية للمساعدات والقروض”.

وتطرح السياقات السابقة للانسحابات والتهديدات الأمريكية للمنظمات والمعاهدات الدولية تساؤلات مهمة في ظل الأزمات الدولية المعاصرة، أسئلة كثيرة حول الأخلاق والمصالح، قد يجيب عنها السلوك الأمريكي نفسه تجاه هذه الأزمات.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى