أخبار تركيا

“اللهو الرقمي”.. كيف نجمع شتات أفكارنا بعصر العبث؟

يقول عالم الأعصاب الإدراكي آدم جازالي: “البشر مخلوقات تبحث عن المعلومات وقد تكون هذه هي المشكلة”.

وسائل التواصل الاجتماعي 
وسائل التواصل الاجتماعي 
()

هل جرّبت أن تبحث عن شيءٍ
على الإنترنت فَانتهي بك المطاف بعد ساعات إلى أن تتابع أمراً آخر لا علاقة له
مطلقاً بما كنت تبحث عنه؟

إن انتبهت إلى هذا الأمر،
فأنت على الطريق الصحيح الذي ترغب به شركات التكنولوجيا!

إذ جرى إنشاء الشبكات
الاجتماعية ومواقع الويب الأخرى بواسطة بعض أذكى مهندسي البرمجيات على الإطلاق،
ليكون مصدر تشتيت للدماغ قدر الإمكان، والهدف الرئيسي لهم هو قضاء أكبر قدر ممكن
من وقتك.

قد تتساءل: لِمَ ترغب
شركات التكنولوجيا في كسب المزيد من وقتي على منصاتها؟، والجواب لأنّك مصدر دخل
هذه الشركات، وأنت “ثروة رقمية”، فكيف ذلك؟

كل دقيقة تمر وأنت تتصفح
محتوى تلك المنصات، تترك أثراً رقمياً عنك، من تسجيل إعجاب أو ترك تعليق أو مشاركة
منشور.

بجمع تلك الآثار تتكون
صورة من تفضيلاتك التي تترجمها الخوارزميات إلى مصفوفة من البيانات، تُحوّلها
الشركات إلى أموال في آخر الطريق، فنحن في عصر النفط الجديد “البيانات”.

السبب الذي يدعونا للبقاء
ساعات طوال على الإنترنت

يوماً بعد آخر أجهزتنا
تزداد ذكاءً وكفاءةً واتصالاً، لكنها غالباً ما تجعلنا أغبى وأكثر تشتتاً
وانقساماً.

كل دقيقة تمر وأنت تتصفح محتوى تلك المنصات، تترك أثراً رقمياً عنك
كل دقيقة تمر وأنت تتصفح محتوى تلك المنصات، تترك أثراً رقمياً عنك
(Getty Images)

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن “اللهو الرقمي” الذي نمارسه
ينشأ من سمة محفورة في حمضنا النووي، وهي “جوعنا الذي لا مثيل له للمعرفة”.

يقول آدم جازالي، عالم
الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، ومؤلف كتاب العقل المشتت: “إن
مأزقنا الحالي ينطوي على الفجوة بين شهيتنا الواسعة للحصول على المعلومات وقدرتنا
المحدودة على الاهتمام بقضية محددة، دائماً نحاول الاهتمام بأكثر من أمر في وقتٍ
واحد”.

ويشير جازالي وآخرون إلى
أنّ لفهم كيف انتهى بنا المطاف هنا -وربما لإيجاد مخرج، فإن من الضروري أن نفهم
كيف تعمل أدمغتنا.

وصف عالم الأعصاب كريستوف
كوخ من معهد ألين لعلوم الدماغ في سياتل الدماغ البشري بأنه “أكثر الأشياء
تعقيداً في الكون المعروف”.

اقرأ أيضاً:

صناعة
المحتوى على مواقع التواصل.. بين الإبداع والتقليد

يحتوي الكمبيوتر الموجود
في رؤوسنا (الدماغ) على نحو 86 مليار وحدة معالجة، تُعرف باسم الخلايا العصبية،
منسوجة في شبكة موزعة بمئات التريليونات من الوصلات أو المشابك العصبية.

على مدى العمر، يمكن
للدماغ تخزين نحو كوادريليون بايت من البيانات -وهو 1 متبوعا بـ15 صفراً، أي ما
يعادل 50000 ضعف المعلومات الموجودة في مكتبة الكونغرس.

الرغبة المتزايدة في
تعلّم الجديد والفضول وحب الاستطلاع، أشياء تخدعنا لإضاعة المزيد من الوقت على
الشبكة العنكبوتية، والجزء من الدماغ الذي يمكننا من وضع خطط مفصلة وتنفيذها هو
قشرة الفص الجبهي.

صلة هذه المنطقة بمناطق
الدماغ الأخرى أكثر اتساعاً وتعقيداً، وعلى الرغم من هذه الشبكة العصبية المتقدمة
التي نملكها، فإن قدرتنا على التخطيط أقوى بكثير من قدرتنا على استمرار التركيز
على مهمة معينة.

قال جازالي: “تستخدم
العديد من الأجهزة التكنولوجية المحفزات التصاعدية لجذب انتباهنا من أهدافنا، مثل
الأصوات والاهتزازات وومضات الضوء”.

وأضاف: “يوجد تعارض
بين ما نريد فعله وما نحن قادرون عليه فعلاً، مع كل تبديل [لاهتمامنا من مهمة إلى
أخرى]، توجد تكلفة”، على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أن الأمر يستغرق 25
دقيقة في المتوسط للعاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات، لاستئناف المشروع بعد
مقاطعتهم إياه.

هذا التشتت والتبديل بين
المهام يؤدي إلى مستويات عالية من التوتر والإحباط والتعب.

التشتت والتبديل بين المهام يؤدي إلى مستويات عالية من التوتر والإحباط والتعب
التشتت والتبديل بين المهام يؤدي إلى مستويات عالية من التوتر والإحباط والتعب
(Getty Images)

كذلك يتسبب في إحداث فوضى
في الذاكرة، وهي الوظيفة التي تتيح لنا الاحتفاظ ببضعة أجزاء أساسية من البيانات
في رؤوسنا لفترة كافية لتطبيقها على مهمة ما.

تأثير اللهو الرقمي على
أدمغتنا

أظهرت دراسات متعددة أن
“تعدُّد المهام في الوسائط” (المصطلح العلمي للتبديل بين مصادر البيانات
الرقمية) يثقل كاهل هذا الحيز
العقلي، مما
يجعلنا أقل تركيزاً وأكثر عرضة للأخطاء.

ارتبط تعدد المهام في
الوسائط الثقيلة بضعف التحكم المعرفي، ومستويات أعلى من الاندفاع وانخفاض حجم
القشرة الحزامية الأمامية، وهي منطقة دماغية مرتبطة باكتشاف الأخطاء والتنظيم
العاطفي.

عندما يحاول شخص ما
استيعاب معلومات جديدة أثناء لعب إحدى ألعاب الهاتف الذكي، يبدأ معدل ذكائه في
الانخفاض على الفور تقريباً.

يؤثر تعدد المهام الرقمية
أيضاً على الحالة المزاجية ودورات النوم، فمع وجود الكثير للقيام به والكثير من
مصادر الإلهاء، غالباً ما يشعر المراهقون -الشريحة الأكبر المستخدمة للإنترنت-
بالتوتر والإرهاق.

في كتاب The Shallows: ما يفعله الإنترنت بأدمغتنا”، يوضح المؤلف نيكولاس كار كيف
يمكن أن تُسبب جميع التقنيات التي نستخدمها تقريباً تغييرات فعلية في أدمغتنا.

اقرأ أيضاً:

التلفاز..
كيف يكون أداة بناء لا هدم للأطفال؟

على سبيل المثال، أظهرت
إحدى التجارب التي أُجريت على عازفي الكمان أن منطقة القشرة الحسية التي تتحكم في
يدهم بأصابعهم كانت أكبر بكثير من منطقة الأشخاص الذين لم يعزفوا أبداً على آلة
موسيقية.

كذلك استخدامنا للإنترنت
هذه الأوقات الطويلة، يسبب تغير في جزء من الدماغ المسؤول عن الانتباه والتركيز،
وهو تغير يظهر تأثيره على مدى متفاوت، ولاحظت بعض الأبحاث أن مستوى الذكاء قد
ينخفض مع ارتفاع ذكاء الأجهزة التي نستخدمها.

كلما سمحت للإنترنت
بالترويج لهذا الأسلوب المشتت والمسعور لاستهلاك المعلومات، قلَّ الوقت الذي تقضيه
في التركيز بشدة على مهمة واحدة، وقلَّت قدرتك على استدعاء هذا التركيز العميق
عندما تحتاج إليه حقاً.

اللهو الرقمي من أكبر
أسباب تقليل الإنتاجية

وفقاً لمسح حديث أجرته
مجموعة أبحاث السوق Nielsen، يقضي المواطن الأمريكي
العادي ما يقارب أربع ساعات يومياً على أجهزة الكمبيوتر والأجهزة المحمولة، وما
يقارب ربع ذلك الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي.

تعد الهواتف الذكية
والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ورسائل البريد الإلكتروني من بين أكبر العوامل
القاتلة للإنتاجية في مكان العمل.

تحديداً، قال أكثر من نصف
أصحاب العمل الذين شملهم الاستطلاع إن أكبر مصدر إلهاء في العمل جاء من الموظفين
الذين يستخدمون هواتفهم المحمولة، بينما قال 44% الشيء نفسه عن الموظفين الذين
يستخدمون الإنترنت.

ووجدت دراسة أجريت عام
2017 أن وقت استخدام الهاتف الذكي أثناء العمل يكلف الشركات 15 مليار دولار في
الأسبوع في خسارة الإنتاجية.

أمّا تأثير اللهو الرقمي
على إنتاجية الطلاب ومستواهم الدراسي فهنا الكارثة، فمع وجود الهاتف في متناول
اليد، لا يمكن للطلاب التركيز بشكل كامل على ما هو أمامهم.

إذ بيّنت الدراسات أن الطلاب يضيعون الكثير من أوقاتهم في الفصل
بسبب النظر المتكرر إلى هواتفهم داخل الفصل، مما تسبب في انخفاض مستوى الدرجات
التي ينالونها في الامتحانات إلى النصف.

ويزداد الإلهاء عند الطلاب في الفترة الحالية بسبب التعليم الإلكتروني عن بعد نتيجة إغلاق المدارس بسبب تفشي فيروس كورونا
ويزداد الإلهاء عند الطلاب في الفترة الحالية بسبب التعليم الإلكتروني عن بعد نتيجة إغلاق المدارس بسبب تفشي فيروس كورونا
()

ويزداد الإلهاء عند
الطلاب في الفترة الحالية بسبب التعليم الإلكتروني عن بعد نتيجة إغلاق المدارس
بسبب تفشي فيروس كورونا.

علاج وحلول لاستعادة شتات
أفكارنا والخروج من سيطرة شركات التكنولوجيا

بعد استطلاعنا للتأثير
الذي يمكن أن يحدثه قضاؤنا للأوقات الطويلة على الإنترنت، فيما يلي أهم السبل
للخروج من تيه “اللهو الرقمي”، بما يضمن الحفاظ على صحتنا واستعادة
تركيزنا.

أولاً: الحد من هدر الوقت، ويحدث ذلك بالتالي:


بما أن منصات التواصل
الاجتماعي تستهدفنا بإعلانات ومحتوى بناء على التوصيات الناتجة عن تعقُّب نشاطنا،
لذا فمن الأفضل استخدام “وضع التصفح الخفي”، بهذه الطريقة يجري محو كل
نشاطك بمجرد الخروج من الصفحة، وبذلك يقل استهدافك بمحتوى مشتت لك.


استخدام وضع القارئ لحظر
المحتوى والتعليقات ذات الصلة، معظم المقالات محاطة بأشرطة جانبية وأدوات تنقّل
عائمة تشغل مساحة على الشاشة وفي عقلك.

يوجد معظمها لجذب انتباهك، إذا كان هدفك هو القراءة فعلياً، فهذا
الخيار يزيل كل ما من شأنه سحبك إلى خارج هدفك.

ثانياً: حلول لاستعادة انتباهك المشتت ورفع مستوى تركيزك:


قراءة الكتب.


لا تتصل بالإنترنت في
العمل إلّا إذا كنت محتاجاً لذلك.


عند الفراغ من العمل اقضِ
وقتاً أكبر مع العائلة والأصدقاء، وحاول إبعاد الهواتف عن مكان جلوسكم.


مشاهدة الأفلام، وحاول أن
تشاهدها في وضع ملء الشاشة كي لا يجري استدراجك نحو فيلم آخر يشتت انتباهك.


حدد لك وقتاً معلوماً
لتصفح منصات التواصل الاجتماعي، والتزمه قدر الإمكان.


قضاء فترات أطول في
التركيز على شيء واحد.

لن تؤدي هذه التغييرات
التكتيكية إلى فطام عقلك عن عادات إدمان الإنترنت بمفردها، لكنها ستقطع شوطاً
طويلاً لمساعدتك على فعل ذلك بسهولة أكبر.

تذكر أن عملية تغيير
المسارات العصبية الأكثر استخداماً في الدماغ هي عملية بطيئة تتطلب الكثير من
الانضباط في البداية.

ثالثاً: وسائل لحماية
أدمغتنا من ضغط الإنترنت:

يقترح عالم الأعصاب آدم
جازالي طريقتين أساسيتين لحماية أدمغتنا من مساوئ التكنولوجيا: تعزيز وظائف
الدوائر العصبية لدينا، وتغيير سلوكنا اليومي، ويجري ذلك من خلال:


اتباع مناهج محددة وضعها
أطباء النفس مُصمَّمة لتعزيز التحكم المعرفي، والقدرة على الاستمرار في المهمة،
حتى في ظل الظروف الصعبة.


تمارين معرفية، تشير
التجارب السريرية إلى أن بعض التمارين الذهنية، بما في ذلك ألعاب الفيديو المصممة
خصيصاً لهذا الشأن، يمكن أن تُحسِّن التركيز ومقاومة الإلهاء.


التأمل، فتشير دراسات
متعددة إلى أن التأمل يمكن أن يعزز الانتباه والذاكرة وسرعة المعالجة.


تمرين جسدي، تظهر مجموعة
كبيرة من الأبحاث أن النشاط البدني يعزز خفة حركة الدماغ ومرونته.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى