أخبار تركيا

السودان والقرن الإفريقي وتوقعات سياسة بايدن الخارجية

مع إعلان جون بايدن فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية بأغلبية غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الأمريكية، أصبح يتحمل تركة مثقلة من إرث الرئيس دونالد ترمب في السياسة الخارجية، وباتت تساؤلات عن التوقعات بشأن خيارات سياسته الخارجية.

وهل ستكون امتداداً لمبادئ الحزب الديمقراطي المتوارثة بكفكفة التوسع في استخدام الأدوات العسكرية، والاستثمار فى أدوات القوة الناعمة كما كان الأمر تحت إدارة أوباما آخر رئيس ديمقراطي، أم بناء على التحولات الموضوعية والجيوسياسية التي أحدثتها إدارة ترمب؟

على الرغم من وجود مبادئ كلية تحكم توجهات السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي طوال تاريخه بخاصة الحفاظ على النظام الليبرالي العولمي وترسيخ التعاون مع المنظمات الدولية متعددة الأطراف، فإن النقاش الذي ظل متداولاً بين نخب الحزب الديمقراطي المختصة حول ما يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية، عظّم من بروز تيار ينادي بتجاوز إرث ترمب وإعادة إحياء الروح التقدمية في أجندة السياسة الخارجية.

وحسب المؤشرات الراهنة وجملة التحديات الخارجية التى ستواجه الإدارة الجديدة فإن إفريقيا ستكون في أدنى سلم أولويات سياسة الرئيس القادم الخارجية. 

أقرأ أيضا:

جو بايدن والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

وحتى في حال جرت صياغة استراتيجية جديدة للأمن القومى، فلن تهتم إدارة بايدن بإفريقيا في بداية فترته الرئاسية إلا بالأزمات الطارئة أو محاربة الإرهاب، بخاصة في غرب إفريقيا والقرن الإفريقي، وكفكفة تغلغل النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي هناك، وتجفيف النزاعات بخاصة تلك التي يخشى منها في تهديد الاستقرار الإقليمي مثل تطورات الأوضاع في ليبيا وإثيوبيا وغيرها، وأمن البحر الأحمر كممر عالمي للتجارة الدولية.

تتولد شكوك عظيمة حول مدى التزام جو بايدن سياسة سلفه ترمب تجاه السودان، بخاصة الصفقة التي أبرمها مع القيادة السودانية برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل دفع تعويضات أسر ضحايا الهجمات الإرهابية البالغة 335 مليون دولار وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

على الرغم من أن هذه الصفقة مع السودان حظيت بدعم الحزبين في الكونغرس فإن انقساماً حاداً بين بعض أعضاء مجلس الشيوخ بشأن تمرير قانون منح الحصانة السيادية ربما يؤخر إجراءات إزالة السودان من القائمة، لإصرار بعض النواب على منح ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول الحق القانونى في مقاضاة السودان أمام المحاكم الأمريكية.

من المؤمل أن تنتهي بعهد بايدن السياسة المزدوجة التى وسمت تعامل ترمب مع السودان، إذ ظل البيت الأبيض يدعم المكون العسكري في مجلس السيادة بخاصة في موضوع التطبيع مع تل أبيب، فى الوقت الذي حافظت فيه وزارة الخارجية الأمريكية على دعم الحكومة المدنية برئاسة حمدوك.

من المرجح أن يُنهي بايدن هذه الازدواجية ويعمل على توحيد سياسة إدارته تجاه السودان بالانحياز والتعاون مع الحكومة المدنية أكثر من الرئاسة العسكرية لمجلس السيادة الذي يترأسه الفريق عبد الفتاح البرهان، مع تعميق سياسة سلفه ترمب لاستكمال خطوات التطبيع مع إسرائيل. سيكون بايدن أقل اهتماما بقضايا الحريات الدينية التى جعلها ترمب في صدارة أولوياته لإرضاء قاعدته الشعبية من الإيفانجلكيين واليمين الديني.

في المقابل ستهتم سياسة بايدن بدعم عملية السلام في السودان واحترام حقوق الإنسان والتحول الديمقراطى وقيام الانتخابات وانخراط السودان مجدداً في محاربة الإرهاب، بخاصة ضد تمدد الشباب وداعش في المنطقة، ومكافحة الهجرة غير الشرعية وأن يكون أكثر ارتباطاً باستراتيجية القيادة الإفريقية (أفريكوم) في المنطقة.

ستحث واشنطون السودان على مواصلة جهوده لدعم السلام والاستقرار الإقليمي بخاصة في جنوب السودان وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى.

ستكون أهم مرتكزات إدارة بايدن تجاه السودان الحفاظ على قاعدة النفوذ والتأثير على متخِذ القرار السودانى التي أنتجها الأثر التراكمى لمنظومة العقوبات المتطاولة على السودان، فبدلاً من العقوبات وقائمة رعاية الإرهاب ستواصل واشنطن ضغطها بواسطة المؤسسات المالية الدولية بخاصة البنك الدولى وصندوق النقد في موضوعات إعفاء ديون السودان البالغة 60 مليار دولار عبر مبادرة الدول المثقلة بالديون (هيبك)، وكذلك تخصيص قروض ميسرة لانتشال الاقتصاد السوداني من أزماته الراهنة والتحكم في تحويلات المصارف العالمية مع نوافذ الاقتصاد الوطنى.

اقرأ أيضا:

كيف سيبدو مسار العلاقات التركية الأمريكية في عهد بايدن؟

توجد شكوك في مواصلة بايدن لإنفاذ تعهدات إدارة ترمب فيما يتعلق بحزمة المحفزات المرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل، وهي تقديم معونات تنموية ودعم عاجل للسلع الأساسية بخاصة الوقود والقمح وحث الشركات الأمريكية على الاستثمار في السودان. من المتوقع ألا تمضي إدارة بايدن في مشروع صفقة القرن والاتفاق الإبراهيمي الذي أدى إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وثلاث دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان، لأن إرث سياسات الديمقراطيين رعاية مبدأ حل الدولتين مع الحفاظ علي أمن إسرائيل واستدامة تفوقها النوعي والاستراتيجي وتشجيع التطبيع مع الدول العربية. ربما يمنح هذا التحول المترددين في الحكومة السودانية بعض الوقت والمناورة التكتيكية في إبطاء إجراءات التطبيع مع تل أبيب.

إن التحولات الجيوسياسية في المنطقة بخاصة مع تزايد الخلافات حول إجراءات ملء سد النهضة في إثيوبيا وتشغيله بين الدول الثلاثة مصر وإثيوبيا والسودان، ستدفع بايدن إلى مواصلة سلفه ترمب الاهتمام بنزع فتيل الانفجار والمواجهة بين أكبر دولتين في الكثافة السكانية والأهمية الاستراتيجية. 

حسب توجهات الديمقراطيين الدبلوماسية فإنهم أكثر ميلاً إلى معالجة أزمة سد النهضة عن طريق المنظمات الإقليمية والدولية عبر نهج الدبلوماسية الجماعية بدلاً من التصدى لمهمة نزع فتيل الأزمة على المستوى الثنائى باستخدام العقوبات أو ثقل واشنطن السياسي والاقتصادي والعسكري مع هذه الدول، لذا فإن دعم واشنطن في عهد بايدن لجهود الاتحاد الإفريقي سيكون هو الخيار الأنسب لتوجهات سياسة واشنطن الجديدة.

ستزداد الأهمية السياسية والاستراتيجية للقرن الأفريقي بعهد بايدن في تقوية جهوده لمنع تغلغل نفوذ الصين في إفريقيا عن طريق مشروع طريق الحرير، إذ بلغ التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا 184 بليون دولار عام 2017، مقابل نحو 65 بليوناً بين الولايات المتحدة وإفريقيا للعام نفسه. هذا إضافة إلي مشروع أمن البحر الأحمر في ظل تصاعد حرب اليمن وزيادة عدد القواعد العسكرية للدول الكبرى في المنطقة بخاصة الصومال وإريتريا وجيبوتي.

تفتح التطورات التى اندلعت داخل إثيوبيا الأسبوع الماضي بين الحكومة الفيدرالية وحكومة جبهة التقراي الحاكمة للإقليم باباً واسعاً للتكهنات حول مستقبل هذا الصراع الداخلي وإمكانية تحوُّله إلى حرب أهلية تهدد الاستقرار السياسي، وهز أركان الدولة الإثيوبية التى تبنت نموذج الإثنية الفيدرالية أساساً للحكم، مع إعطاء الأقاليم حق تقرير المصير.

لا يُتوقع تدخُّل واشنطن المباشر في الصراع السياسي الداخلي في إثيوبيا، على الرغم من الانشغال الذي عبَّر عنه وزير الخارجية بومبيو في تغريدة بضرورة حل النزاع سلمياً وتعهد واشنطن بالوقوف إلى جانب الشعب الإثيوبي، آخذين في الاعتبار نقد ترمب لتجاوز حكومة آبى أحمد بتعهداتها تجاه الحلول التى اقترحها الوساطة الأمريكية لسد النهضة، ما أدى إلي وقف المساعدات الأمريكية.

ستكون خيارات إدارة بايدن أقل حدة تجاه إثيوبيا، وأقل انحيازاً إلى مصر علي عكس سلفه ترمب، بل من المرجح استئناف برنامج المساعدات الأمريكية مع تزايد التوقعات أن تتخذ واشنطن حزمة ضغوط وإجراءات ناقدة لسياسات نظام الرئيس السيسي بخاصة تجاه قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ستعزز سياسة واشنطن في عهد الإدارة الجديدة الحفاظ على استقرار القرن الإفريقى وتجفيفه من النزعات إلى الحد الأدنى الممكن، مع تقوية دور الاتحاد الإفريقي والمنظمات شبه الإقليمية بخاصة منظمة (الإيقاد) لحل النزاعات الداخلية وكذلك بين دول الإقليم.

ومع ذلك تظل تحديات تواجه السياسة الأمريكية المتعلقة بمحاربة الإرهاب في المنطقة بخاصة فى الصومال، وكذلك دعم اتفاقية السلام والتحول الديمقراطي في جنوب السودان.

ستظل قضية التحول الديمقراطي في إريتريا أحد أهم تحديات سياسة الولايات المتحدة في القرن الإفريقي، مع استمرار سيطرة الرئيس أسياس أفورقى على مقاليد السلطة والحكم لما يقارب ثلاث عقود من دون إبداء أي تنازلات تجاه الانفتاح السياسي وتخفيف القبضة الحديدية على تجنيد الشباب واحترام حقوق الإنسان.

لعل من المبكر التنبؤ بخيارات الرئيس بايدن لمنصب وزير الخارجية على الرغم من بروز توقعات جدية في الصحافة الأمريكية واتساع قاعدة الترشيحات وفقاً لذلك، ولا شك أن إعلان سياسة جديدة تجاه إفريقيا عامة وتجاه القرن الإفريقي خاصة سيكون مرتبطاً بشكل أساسي باختيار مساعد لوزير الخارجية للشؤون الإفريقية، وهو إجراء يستغرق عدة أشهر من أداء الرئيس بايدن القسم في يناير/كانون الثاني القادم.

لكن بوصلة سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه القرن الإفريقي في ظل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن حسب تراكم المؤشرات السابقة والمعطيات الراهنة وتوقعات السياسة الخارجية ستكون موجهة إلى الحفاظ على التوازن الجيواستراتيجي والاستقرار الإقليمي ونزع فتيل التوترات، بخاصة الصراع على موارد المياه بعد تشييد سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنع انزلاق الأوضاع الداخلية في دول المنطقة بخاصة إثيوبيا والسودان نحو الفوضى وتجدد الحرب الأهلية. وأن يظل البحر الأحمر ممراً دولياً للتجارة العالمية مع تكثيف التعاون لمحاربة الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية. والدفع بميكانيزمات التحوُّل الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان في المنطقة.

أما السودان فسيواصل إرث سياسة اتفاق الحزبين مع الحفاظ على قاعدة النفوذ والتأثير التي أنتجتها منظومة العقوبات بأدوات أكثر نعومة وأقل خشونة، والاهتمام بدعم مشروع الانتقال الديمقراطي عبر الحكومة المدنية وتحالف كتلة القوى الليبرالية الحاكمة، مع تخفيف قبضة اليساريين الراهنة على مقاليد الحكم في السودان.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى