أخبار تركيا

دمشق وريفها.. مشاريع إيرانية تتمدد والسوري يحلم ببيت

ساهم الفساد الإداري في انتشار العشوائيات داخل المدينة وفي محيطها، ومنذ الثمانينيات سمح نظام حافط الأسد بتجاوزات أدت لظهور تجمعات كبيرة حول العاصمة دمشق شكلت كتلاً إسمنتية مخالفة وفقيرة.

دمشق
دمشق
(TRT Arabi)

لم تكن الحرب وحدها من أسباب زيادة أسعار العقارات في العاصمة
السورية فسياسات النظام هي ما ساهمت في هذه المشكلة، ففي العام 2010 احتلت دمشق
المرتبة الثامنة من بين أغلى عشر مدن في العالم وفق دراسة لمؤسسة كوشمان وويكفيلد
المتخصصة بمتابعة أسعار العقارات حول العالم، وتقدمت حينها على نيويورك وسنغافورة
في ترتيب الغلاء.

فساد وعشوائيات

ساهم الفساد الإداري في انتشار العشوائيات داخل المدينة وفي محيطها،
ومنذ الثمانينيات سمح نظام حافط الأسد بتجاوزات أدت لظهور تجمعات كبيرة حول
العاصمة شكلت كتلاً إسمنتية مخالفة وفقيرة، وفي جوار الحي الجميل المزة تم بناء ما
يسمى بالمزة (86) التي تعتبر من أكبر مناطق المخالفات كذلك (عش الورور) في الجهة
الشمالية للمدينة.

في قلب العاصمة وأحيائها الجنوبية والشرقية تشكلت أيضاً تجمعات هائلة
وأحياء فقيرة من المهاجرين من بقية المحافظات ومن أبناء الجولان المحتل، وأما أكبر
حالات الهجرة الداخلية فكانت في العامين 2006-2007 نتيجة الإجراءات الاقتصادية
الخاطئة للنظام ومنع أهالي المنطقة الشرقية من زراعة القطن وحفر الآبار فاندفعوا
إلى ريف العاصمة بمئات الآلاف ليعملوا في الزراعة.

بدورها مجالس المدن والبلدات ونتيجة انتشار الفساد سمحت بالبناء على
الأراضي الزراعية وهذا ما خفض مساحتها وانتشرت فيها العشوائيات، وتركزت في غوطتي
دمشق الشرقية والغربية في ريف العاصمة، وهذا ما يمكن تعميمه على بقية المحافظات.

الصراع على دمشق القديمة

تعامل النظام مع ملف المدينة القديمة بخطين متوازيين كونها هدفاً
للمستثمرين الجدد بعد إعلان الانفتاح الاقتصادي بداية 2005 والتعامل مع بيوتها
وتاريحها كمكان غالي الثمن يمكن تحويله إلى مطاعم وكافتيريات، ولذلك عمد إلى إهمال
بنيتها التحتية لإجبار ساكنيها على مغادرتها بدعوى التصدع وإيقاف عمليات الترميم
والتشدد بها.

الأمر الآخر هو قرارات الاستملاك لبعض الأحياء كحي
الحمراوي المجاور للجامع الأموي وبيع عقاراته للإيرانيين الذين يعتبرونه المحيط
الكبير لمقام السيدة رقية التي كانت المحج الوحيد للإيرانيين في العاصمة قبل
التوغل بعد الحرب في كل أحياء العاصمة.

من حي الحمراوي بدمشق
من حي الحمراوي بدمشق
(TRT Arabi)

محمد. ن أحد سكان حي الحمراوي يقول لـTRT عربي:
(طوال عقدين لم يحاول النظام إصلاح أعطال شبكة الصرف الصحي، وجرى الضغط علينا
بإعادة استملاك الحي لكنه حتى الآن لم يقدر على ذلك بسبب تمسك الأهالي ببيوتهم
ولكن لا يمكن معرفة مدى قدرتهم على الاستمرار بالصمود).

أما عن الأبنية المهددة بالسقوط فيقول صحفي سوري ساهم في تحقيقات عن
الحي يعيش في دمشق طلب عدم ذكر اسمه: أكثر ما فعلته محافظة دمشق ومكتب عنبر
المشرفة على دمشق القديمة هو تدعيم هذه الأبنية بأعمدة معدنية بالرغم من كل
المناشدات بضرورة حماية تراث العاصمة والضرر الذي سيجري إلحاقه بالأهالي.

ريف دمشق.. بعشرات الملايين

عوامل عدة ساهمت في رفع أسعار العقارات في ريف العاصمة وخصوصاً
الغربي بسبب هدوء جبهاته في وقت أسبق من الغوطة الشرقية فكان ملاذاً للهاربين من
الموت الذين زادوا الضغط عليه من حيث تعداد السكان وهو ما ساهم في رفع بدل
الاإجارات والعقارات.

مدينة صحنايا في ريف دمشق الغربي وهي مزيج من السكن الشعبي والأبنية
الحديثة وصل فيها سعر المتر حوالي 400 ألف ليرة سورية ما يعادل 200 دولار
وفي الوقت ذاته وصل سعر المتر في مناطق البناء الحديث إلى 800 ألف ليرة أي ما
يعادل 400 دولار وفق ما قاله سعيد أحد أصحاب المكاتب العقارية لـTRT عربي.

اقرأ أيضاً:

قبور
بملايين الليرات بدمشق.. والمقابر تضيق بالموتى

يتابع سعيد: عام 2011 قبل الحرب بلغ أعلى سعر للعقار الحديث حوالي 4
ملايين ليرة، وكان بإمكان المواطن أن يشتري منزلاً عربياً (شعبياً) بمليون ليرة..
اليوم تبدأ الأسعار من 40 مليون أي أنها زادت عشرة أضعاف وهو يعود لارتفاع أسعار
مواد البناء وانخفاض سعر الليرة أمام الدولار.

ضاحية قدسيا وهي من الضواحي الحديثة شمال العاصمة تبدأ الأسعار من 50
مليون ليرة وتصل لحدود الـ100 مليون ليرة، وأما ضاحية حرستا فأسعارها أغلى بسبب
قربها من العاصمة وتبدأ من 70 مليون ليرة.

أما عن الفوارق بين أسعار المتر قبل الحرب وبعدها فقد كانت مدينة
جديدة عرطوز في غرب العاصمة هي الأعلى حيث بلغ سعر المتر ما يقرب من 26 ألف ليرة
بينما حالياً يقترب من 500 ألف ليرة، وأما في صحنايا فهو بحدود 18 ألف ليرة
وحالياً 400 ألف ليرة.

وبحساب الدولار يكون السعر قبل الحرب يوازي 500 دولار للمتر وحالياً
يساوي 208 دولارات ولكن ما يجعل الأمر يبدو كأنه أرخص هو التدهور الكبير لليرة
السورية التي كانت تساوي حوالي 50 ليرة أمام الدولار فيما تجاوزت اليوم 2400 ليرة
للدولار الواحد.

كانتونات.. إيرانية

استطاعت إيران قبل الحرب عبر وسطائها في العاصمة من تجار وموظفين
حكوميين السيطرة على العقارات القريبة من مقام السيدة زينب، واشترت عبر هؤلاء مئات
العقارات والفنادق التي تقوم بخدمة الحجاج الشيعة، وحالياً بعد التدخل الإيراني في
سوريا استطاعت السيطرة عسكرياً على كامل السيدة زينب عبر مليشياتها وفي مقدمتها
حزب الله اللبناني، ومليشيا “فاطميون” و”زينبيون” ووسعت من
انتشار الحوزات والحسينيات، وباتت هذه العقارات ممنوعة على السوريين أبناء المنطقة
وسواهم، واستوطن فيها عناصر هذه المليشيات، وجلب الكثير منهم عائلاته لإحداث الهدف
الأسمى وهو التغيير الديموغرافي.

كانتون شيعي آخر وإن كان غير واضح المعالم هو في مدينة (داريا) في
الريف الغربي للعاصمة حيث قاومت هذه المدينة الحصار الذي ضربه النظام وحزب الله
حولها لأكثر من ست سنوات إلا أنها سقطت بالتفاوض.

يوجد في المدينة مقام للسيدة (سكينة) تحميه مليشيا حزب الله وتقام به
الصلاة ويزوره كبار المسؤولين الإيرانيين وفي مقدمتهم ممثل الخميني في سوريا، ولكن
لأهالي المدينة الممنوعين من دخولها حتى اللحظة، باستثنا بعض الأحياء، رأي آخر..
يقول أحد المهجرين من المدينة لـtrt عربي:
لم يكن مقام سكينة يشكل هاجساً لدى الأغلبية السنية في داريا وكانت المجموعات تأتي
لزيارته بشكل اعتيادي دون أية طقوس، ولكن الإيرانيين والنظام استخدموا شعار حماية
العتبات المقدسة سبباً للحرب على المدينة وإفراغها من سكانها.

مليار ونصف ليرة.. في المالكي

حي المالكي الشهير الذي يقع فيه بيت الرئيس السابق حافظ الأسد،
ويعتبر من أهم الأحياء في العاصمة وتقطعه مقار أمنية وعسكرية حتى الآن، وتُفرض فيه
قواعد وإجراءات أمنية مشددة، وامتلاك عقار في هذا الحي يحتاج إلى موافقات أمنية
واستثناءات كبيرة ففيه يسكن كبار المسؤولين والاقتصاديين والأمنيين.

دمشق القديمة.. ترميم حي الحمراوي
دمشق القديمة.. ترميم حي الحمراوي
(TRT Arabi)

هنا الحسابات تختلف من حيث السعر والمساحة فشقة 70 متراً يبلغ ثمنها
حوالي 500 مليون ليرة سورية، ويصل سعر العقار بمساحة 120- 150 متراً حوالي مليار
ليرة أما فوق ذلك فيصل السعر لحوالي مليار ونصف ليرة أي ما يساوي بالدولار 125 ألف
دولار أمريكي.

أما في وسط المدينة حيث حي المزة الشهير وفي منطقة الفيلات الغربية
يصل سعر الشقة مساحة 120 متراً 800 مليون ليرة، وفي منطقة مزة أوتستراد مقابل مبنى
دار البعث الشهير تصل الشقة المؤلفة من ثلاث غرف وصالون بمساحة 120 متراً لحوالي
300 مليون ليرة.

في تدمر.. حي لعائلات المليشيات

المدينة الأثرية التي تتوسط سوريا وتقع على طريق دمشق بغداد كان
هدفاً للمليشيات الإيرانية التي سيطرت عليها لأسباب عدة منها الموقع المميز على
طريق الإمدادات العسكرية، ولكونها كنزاً تاريخياً اشتغلت على تهريب ممتلكاته.

الصحفي محمد عبد الله ابن المدينة تحدث لـTRT عربي
عن حال المدينة الآن: منذ سيطرة المليشيات التابعة لإيران على المدينة عمدت لشراء
العقارات عبر وسطاء موالين للنظام وبعض التجار، وفي الوقت نفسه منع الأهالي من
العودة إلى بيوتهم إلا الموالين، واستولت على منازل السكان في حي الجمعيات الغربية
ووطنت فيه عائلات هذه المليشيات وتم العمل سريعاً على بناء الحسينيات ونشر التشيع.

أما السبب في الرغبة الشديدة بالسيطرة على المدينة فتعود لأسباب يرى
عبد الله أن أهمها: موقع تدمر المميز على طريق دمشق بغداد، والاستيلاء على مناجم
الفوسفات وحقول الغاز ومن أشهرها حقل الشاعر، واقتسام ثروات البلاد بالتوازي مع
الروس.

كما ارتفعت أسعار العقارات مع موجة الشراء الكبيرة ويضرب عبد الله
مثلاً: الارتفاع الكبير في أسعار العقارات وصل لأرقام مخيفة بسبب السخاء في دفع
المال للاستيلاء على هذه البيوت وانخفاض قيمة الليرة السورية، فمزرعة على سبيل
المثال كانت تساوي مليون ليرة قبل الحرب بيعت بـ95 مليون ليرة.

هدم بعنوان.. التنظيم

مشاريع عقارية كبرى تنوي حكومة النظام إنجازها بتمويل إيراني عبر
وكلاء سوريين فمنذ 2012 أصدر بشار الأسد المرسوم 66 القاضي بإحداث منطقتين
تنظيميتين في كل من جنوب شرق المزة من المنطقتين العقاريتين (مزة – كفرسوسة)،
والأخرى تنظيم جنوبي الملحق الجنوبي من المناطق العقارية (مزة – كفرسوسة – قنوات
بساتين – داريا – قدم)، ومعظم هذه الأحياء جرى تجريف أغلب بيوتها بحجة إعادة
تنظيمها وهي من المناطق التي خرجت ضد النظام في العاصمة.

أصحاب العقارات في هذه المناطق ينتظرون السكن البديل الذي لن يأتي في
القريب العاجل وربما لا يأتي، أحد المتضررين من هذه الإجراءات تحدث لـtrt عربي
عن مخاوفه قائلاً: في تجارب سابقة في العاصمة جرى منح عقارات رخيصة في أماكن بعيدة
كسكن بديل وهذا يعني أنك تخسر بيتاً بملايين الليرات لتحصل على بيت صغير في منطقة
نائية.

متضرر آخر من سكان حي الرازي بالعاصمة يقول: أعطتنا المحافظة بدل
إيجار سنوي 550 ألف ليرة لمرة واحدة وهو ما يعادل 200 دولار حالياً لا تستطيع أن
تستأجر بها في ضواحي العاصمة بيتاً لمدة شهر واحد.

البعض يرى أن الغايات البعيدة لهذه المشاريع أكبر من تنظيم عمراني
للمدينة.. يقول شادي محمد، وهو اسم حركي لصحفي سوري في الداخل لـTRT عربي:
المشاريع غايتها معاقبة الأهالي على احتجاجهم على النظام وتهجيرهم، وأيضاً سعي
إيراني لخلق وسط شيعي يمتد من الأحياء الجنوبية للعاصمة وربطه مع السيدة زينب
المعقل الإيراني، وبالتالي صنع ضاحية جنوبية كتلك التي يسيطر عليها حزب الله في
بيروت.

أحياء أخرى في العاصمة مثل ييادر نادر والمهاينني واللوان وهي أحياء
فقيرة منذرة أيضاً بالهدم لا يستطيع أصحاب العقارات فيها البيع وإفراغ بيوتهم
لأنها واقعة أيضاً ضمن مخطط المرسوم 66 وتجرى تأجيل هدمها بسبب انتشار وباء كورونا
وموسم المدارس، لكن الأهالي يتوقعون أن يضطروا لمغادرتها مع نهاية موسم المدارس في
سبتمبر/أيلول القادم.

في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية المعقدة يبقى السوري البسيط، وهم
غالبية الشعب، عالقاً بين تأمين حاجات الحياة التي باتت فوق طاقته، والحلم ببيت
صغير يأوي أبناءه ويبدو أنه بعيد المنال.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى