أخبار تركيا

ذهب ترمب ولكن هل انتهت الترمبية؟

في تصريح لكسينجر لجريدة الفايننشال تايمز في 20 يوليو/تموز 2018، قال ما مؤداه إن ترمب نتيجة أزمة وجودية تمر بها الولايات المتحدة، تتجاوز شخص ترمب ولكنها عابرة، لكن هل يمكن لفترة عابرة بالنسبة إلى أول قوة عالمية ألَّا تُخلِّف أثرها أو تترك ندوباً؟

يغادر ترمب البيت الأبيض، ولكنه كطفل مدلل يتوعد بكسر الأواني ومتاع البيت، ويَلزم أهل البيت الكثير من الوقت لإصلاح الأعطاب التي خلّفها الابن المدلل.

لا نُغفل طبعاً أن ترمب يستند إلى قاعدة شعبية، ويُعبّر عن توجُّه في الولايات المتحدة يقوم على أرضية إيديولوجية ويستند إلى قاعدة اجتماعية، وهو التوجُّه الذي قد نُرجعه إلى الملاكين الكبار في القرن الثامن عشر قبل الإصلاح الذي أدخله أبراهام لينكولن بإلغاء نظام الرق. 

كان الملاكون الكبار يعتبرون التمايزات الاجتماعية أمراً طبيعياً، وأن الإنسان الأبيض متميز عن المُلوَّن، وهو الأسود هنا، ومتفوق عليه.

لم يمَّحِ هذا التوجه الذي بقي ثاوياً في أمريكا بشكل تتغير أشكاله، ولا يتغير جوهره ويبرز بين حين وحين في شكل هزات اجتماعية، وعرف زخماً مع التغييرات الاجتماعية التي عرفتها الولايات المتحدة في غضون الثلاثين سنة مع الهجرة ثم مع الأزمة الاقتصادية.

تغيرت بنية الكتلة الناخبة للولايات المتحدة منذ انتخابات 2012 ولم تعد الأغلبية السكانية للإنسان الأبيض، بسبب الهجرة من أمريكا اللاتينية خاصة أو الإسبانيك كما يُنعتون. 

أصبح أكثر من 50% من غير البيض في الولايات المتحدة وممَّن لا يرتبطون بالثقافة المسيحية، وهو ما سبق أن اعتبره صمويل هنتغتون في كتاب له صدر في التسعينيات بعنوان “مَن نحن؟”، تهديداً لهوية الولايات المتحدة البيضاء والمسيحية.

التغيرات الاجتماعية هذه، من داخل الولايات المتحدة، هي التي هيأت لظاهرة ترمب، ذلك أن ترمب ليس ترمب وحده وإنما اتجاه متجذِّر في الولايات المتحدة يسعى لأن يحافظ على “هوية أمريكا” البيضاء والمسيحية، فضلاً عن الآثار السلبية للعولمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

لكن هذا التوجه على الرغم من التعبئة الكبيرة وتوظيف المال والإعلام لم يصمد، وبخاصة أمام التغيرات الدولية التي أضحت تهدد الولايات المتحدة في سؤددها، واستفحال الأزمة الاقتصادية، ثم مضاعفات جائحة كورونا وسوء تدبيرها، وهو الأمر الذي سمح للمرشح الديمقراطي بالفوز، لكن هل انتهت الترمبية؟

ستُرخي الترمبية ظلالها على الولايات المتحدة حتى بعد ذهاب ترمب، وستُرسّخ ما تبدّى منذ انتخاب ترمب من تقسيم أو شرخ داخل الولايات المتحدة، وما ظهر جلياً مع مقتل الأمريكي الإفريقي جورج فلويد في مايو/أيار من هذه السنة من قِبل رجل أمن بشكل مهين للكرامة الإنسانية.

كان الشرخ قائماً ولكن كان مستتراً تَحدّ منه السنوات السمان لما بعد الحرب العالمية الثانية، ولِما كان يُسمى بالحلم الأمريكي، لكن طبيعة الشرخ الحالي مختلفة، وقد تُذكّر بسابقة حرب الانفصال ما بين الجنوب العبودي والشمال التحرري ولكن في شكل جديد.

من يقرأ الخريطة الانتخابية يقف على شرخ جغرافي ظاهر، ذلك أن معاقل “الصفاء الأمريكي”، من يصوتون للحزب الجمهوري، توجد وسط الولايات المتحدة والولايات الزراعية، مع تَمترُس في فلوريدا وتكساس، لكن الشرخ الكبير ينصرف إلى طبيعة العمل السياسي، إذ لم يعد يُنظر إلى صناديق الاقتراع كحَكم، ولا إلى المؤسسات كمرجعية، وأضحى التلويح بتوظيف مليشيات واستعمال القوة ممكناً بل قائماً، وهو ما دعا البعض إلى التحذير من حرب أهلية محتملة. الشرخ القائم يهدد الديمقراطية في أهم معاقلها الغربية.

الترمبية لم تَبقَ محصورة في الولايات المتحدة وغذّت اتجاهات عدة وزعامات كانت تتماهى مع ترمب، كما جاير بولسونارو حاكم البرازيل أو مودي في الهند أو فيكتور أوربان في هنغاريا أو جونسون في بريطانيا أو ديكتاتور الفلبين رودريغو دويترتي أو الاتجاهات اليمينية الشعبوية في أوروبا، التي كان من منظِّريها سيتفان بانون واحد من المقربين السابقين لترمب، صاحب الحماية الاقتصادية و”الصفاء” الثقافي والداعي إلى نوع من الصراع الحضاري، تعتبر الإسلاموفوبيا أحد فصوله المريعة.

تُضعف خسارة ترمب بلا ريب “ترمبيِّي” العالم وكذا المحتمين به كما في الأنظمة الديكتاتورية العربية، ولكن الواقعية تقتضي الإقرار بأن الشعبوية لن تتوارى ما دامت الأزمة الاقتصادية مستشرية، وستظل مؤثرة من خلال الدعوة للحماية الاقتصادية واستعداء الآخر.

تحدث الرئيس المنتخب جو بايدن عن خطة جديدة في أثناء حملته، ولكن الخطة الجديدة كما طبقها روزفلت في سياق ما بعد الأزمة العالمية لسنة 1929 لا يمكن أن تطبق على اقتصاد ذي طبيعة معولمة، إذ ما ينبغي هو خطة جديدة عالمية، وربما إعادة التفكير في الأدوات المالية والاقتصادية التي أفرزها نظام بريتون وودز.

بيد أن العالم يحتاج إلى أكثر من خطة عالمية، إذ إن أعطاب العالم ليست اقتصادية فحسب، ويحتاج العالم إلى قواعد جديدة في العلاقات الدولية تقر بالاختلاف الثقافي واحترام الآخر وقيمه الحضارية، وربما إعادة النظر في المؤسسات الدولية التي برزت عقب الحرب العالمية الثانية.  

محكوم على بايدن ونائبته كمالا هاريس بالنجاح من أجل البُرء من ممارسات جعلت العلاقات الدولية حلبة صراع في وضع أشبه بالغاب، أو مجال صفقات ومضاربات وتحالفات غريبة ومزاجية. لا يمكن للحياة الاجتماعية أن تستقيم من دون عقد اجتماعي، وكذا العلاقات الدولية لا يمكن أن تستغني عن قواعد ملزمة وقيم جامعة ورغبة في التعايش السلمي واحترام الآخر، وهو أحسن ترياق ضد الترمبية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى