أخبار تركيا

“ميثاق قيم الجمهورية”.. أحدث تحركات ماكرون في استهداف المسلمين

استكمالاً للحملة التي أطلقها قبل أسابيع، أمهل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مسؤولي الديانة الإسلامية في بلاده 15 يوماً لوضع ميثاق يؤكد ما وصفه بـ”القيم الجمهورية للدولة”، ويحدد أن الإسلام “دين فقط وليس حركة سياسية”.

ماكرون يمهل مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا 15 يوماً لوضع ميثاق يؤكد التزام
ماكرون يمهل مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا 15 يوماً لوضع ميثاق يؤكد التزام “القيم الجمهورية للدولة”
(AP)

يواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحملة التي أطلقها مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لمحاربة ما وصفه بـ”الانعزالية الإسلامية والإسلام المتطرف”، إذ أمهل مسؤولي الديانة الإسلامية في بلاده 15 يوماً لوضع ميثاق يؤكد ضرورة التزام “القيم الجمهورية للدولة”، ويحدد أن الإسلام “دين فقط وليس حركة سياسية”.

“ميثاق قيم الجمهورية”

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون استقبل مساء الأربعاء مسؤولي الديانة الإسلامية في فرنسا الذين عرضوا أمامه بناءً على طلبه، الخطوط العريضة لتشكيل مجلس وطني للأئمة يكون مسؤولاً عن إصدار الاعتمادات لرجال الدين المسلمين في فرنسا وسحبها منهم عند الاقتضاء.

وقالت الرئاسة إن ماكرون طلب أيضاً من محاوريه أن يضعوا في غضون 15 يوماً “ميثاقاً للقيم الجمهورية” يتعين على المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية والاتحادات التسعة التي يتألف منها التزامه، كما شددت على أن ماكرون أمهل مسؤولي المجلس مدة أسبوعين ليحضروا له هذا الميثاق، مؤكدةً بذلك معلومات نشرتها صحيفتا لوفيغارو ولو باريزيان.

وطلب الرئيس الفرنسي من محاوريه أن يتضمن الميثاق تأكيداً لقيم الجمهورية، وأن يحدد أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، وأن ينص على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية.

وشارك في الاجتماع رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية محمد موسوي وعميد مسجد باريس شمس الدين حافظ بالإضافة إلى ممثلين عن الاتحادات التسعة التي يتشكل منها المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.

وفي اجتماعه مع قادة الديانة الإسلامية قال ماكرون لممثلي الاتحادات التسعة المنضوية في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إنّه يعلم أن عدداً منها لديه مواقف غامضة من هذه الموضوعات، مشدداً على مسامعهم على أنه من الضروري “الخروج من هذا الالتباس”.

ووفقاً للإليزيه، فإن 3 من هذه الاتحادات التسعة التي تمثّل قسماً كبيراً من مسلمي فرنسا لا تعتمد “رؤية جمهورية”. وحذّر ماكرون محاوريه من أنه “في حال لم يوقّع البعض على هذا الميثاق، فسنستخلص النتائج”، مشيراً إلى أنه “أخذ علماً بمقترحاتهم”.

استهداف مستمر

وتأتي تحركات الرئيس الفرنسي الأخيرة في وقت يعيش فيه مسلمو فرنسا حالة من الرعب والشعور بالاستهداف والإهانة، بعد أن صار أعلى هرم الدولة يستهدفهم بشكل مباشر، مستغلاً مشروعه الفضفاض الذي يريد به مواجهة “الانعزالية أو الانفصالية الإسلامية”، على حد تعبيره، غير أن معاناتهم تسبق ذلك بكثير، وتأخذ أبعاداً مختلفة تتأرجح بين الاجتماعي والاقتصادي.

ففرنسا تُعدّ من أكبر الدول الأوروبية من حيث حجم الجالية المسلمة، فحتى منتصف 2016، كان يعيش نحو 5.7 مليون مسلم في فرنسا، بما يشكّل نسبة 8.8% من مجموع السكان، فيما تقف هذه النسبة في مجموع الاتحاد الأوروبي في حدود 4.9%، مع توقعات بأن ترتفع إلى 11.2% بحلول عام 2050، حسب إحصائيات مركز بيو للأبحاث.

وفي تقرير لـمعهد بيرتلسمان ستيفتانغ الألماني في 2019، أكد المعهد زيادة عدم الثقة بالمسلمين وارتفاع الإسلاموفوبيا في أوروبا عموماً، وأشار إلى أنه في فرنسا مثلاً يعتقد 60% من السكّان أن الإسلام لا يتوافق مع نمطَي التفكير والعيش الغربيين.

الحكومة الفرنسية ليست نصيرة حرية التعبير كما تزعم، ففي 2019 أدانت محكمة فرنسية رجلين بتهمة الازدراء، بعد أن أحرقا دمية لماكرون خلال مظاهرة سلمية

منظمة العفو الدولية

“موقف انتهازي”

وبينما يبرر الرئيس الفرنسي مواقفه التي يراها كثيرون “معادية” للمسلمين، لا سيما في ما يتعلق بالدفاع عن نشر صور مسيئة للنبي محمد وللدين الذي يعتنقه نحو 10% من مواطنيه، بذريعة الدفاع عن “حرية التعبير”، يستعد البرلمان الفرنسي في مفارقة لافتة، لمناقشة مقترح قانون يجرم تداول صور مسيئة إلى الشرطة بوسائل التواصل الاجتماعي.

ويرى مراقبون أن تصرفات ماكرون وتصريحاته لا تنطلق من موقف أصيل في الدفاع عن الحق في حرية التعبير، بقدر ما تحركها دوافع “انتهازية” في محاولة لجذب أصوات اليمين المتطرف، والاستفادة من الزخم الذي يحيط بصعود الإسلاموفوبيا في الغرب، لا سيما بعد إخفاقه في عدد من الملفات على رأسها الاقتصاد والوضع الصحي العام، في وقتٍ تتصدر فيه فرنسا الدول الأوروبية في عدد الإصابات بفيروس كوفيد-19 وتتجاوز فيه عدد وفياتها 45 ألفاً.

ويقترح القانون الأمني الجديد حظر النشر لصور أفراد الشرطة والدرك “خلال أداء مهامهم في حفظ النظام العام”، ويفرض عقوبات ثقيلة تصل إلى السجن لعام كامل، وغرامة قدرها 45 ألف يورو.

من جهتها حذّرت منظمة العفو الدولي من أنه في حال إقرار القانون الجديد، فإن الحكومة الفرنسية ستنتهك ميثاق الأمم المتحدة الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي يحمي حرية التعبير.

وتشير المنظمة الحقوقية الدولية إلى أن موقف ماكرون المروِّج لهذا القانون ليس جديداً على فرنسا التي وصفت سجلها في حرية التعبير بأنه “قاتم”، لافتة إلى أنه في كل عام يُدان آلاف الأشخاص بتهمة “ازدراء الموظفين العموميين”. وخلصت المنظمة غير الحكومية إلى أن “الحكومة الفرنسية ليست نصيرة حرية التعبير كما تزعم، ففي 2019 أدانت محكمة فرنسية رجلين بتهمة الازدراء، بعد أن أحرقا دمية لماكرون خلال مظاهرة سلمية”.

ماكرون يتبع استراتيجيته في إيجاد هوية فرنسية للمسلمين، تكون في المقام الأول غير مرئية، وثانياً غير مؤذية سياسياً، ولا تشكك في الوضع الراهن لسياسات فرنسا التمييزية تجاه سكانها المسلمين

فريد حافظ – أستاذ العلوم السياسية

ويرى رئيس “لجنة العدل والحريات للجميع” الناشط الفرنسي ياسر اللواتي، أن مواقف ماكرون الأخيرة تساعد على “إقصاء المواطنين المسلمين”، في البلد الذي تعيش به أكبر أقلية مسلمة في أوروبا. ويتساءل اللواتي: “كيف انتقل الحال من فرنسا التي احتفل بها العالم الإسلامي والعربي، لرفضها الانضمام إلى الولايات المتحدة في تدمير العراق عام 2003، إلى فرنسا اليوم التي تُنظّم الحملات لمقاطعتها في ظل حكم ماكرون؟”.

ويجادل اللواتي في حوارٍ أجرته معه وكالة الأناضول، بأن “ماكرون يفتقر إلى فهم السياسة الخارجية، غطرسته لم تُقسم الشعب الفرنسي فحسب، بل خلقت أيضاً أزمة حقيقية تُهدد نسيج المجتمع”.

من جهته يصف فريد حافظ أستاذ العلوم السياسية والمحاضر في جامعة سالزبورغ بالنمسا، تحركات ماكرون بأنها “مظهر من مظاهر التمييز على أساس القانون”.

ويضيف حافظ للأناضول: “ماكرون يتبع استراتيجيته في إيجاد هوية فرنسية للمسلمين، تكون في المقام الأول غير مرئية، وثانياً غير مؤذية سياسياً، ولا تشكك في الوضع الراهن لسياسات فرنسا التمييزية تجاه سكانها المسلمين”.

“طابع مؤسسي”

لا شك أن ظاهرة الإسلاموفوبيا في أوروبا والغرب ليست جديدة، ولكن المختلف هذه المرة يتمثّل في إضفاء “طابع مؤسسي” عليها، حسبما يرى مراقبون.

في هذا الصدد، تقول الباحثة السياسية حزال دوران إن ماكرون يسعى إلى مأسسة الممارسات المعادية للإسلام والمسلمين، في إشارة إلى مشروع قانون قال الرئيس الفرنسي إن حكومته ستطرحه في ديسمبر/كانون الأول المقبل، بهدف التصدي لما سمّاه “الإسلام الانعزالي”.

وتشير دوران في مقال نُشِر على موقع TRT عربي، إلى أن “الهجمات المتزايدة سنوياً ضد المسلمين في فرنسا قد كشفت أن الإسلاموفوبيا نجحت في تأجيج التمييز ضد المسلمين في فرنسا على مستوى الدولة، بعد أن كانت رهاباً على المستوى الاجتماعي”.

وعلى الرغم من انتماء ماكرون إلى التيار الليبرالي الواسع، والذي كان يُفترض به أن يكون أكثر تسامحاً في التعامل مع الآخر لا سيما الآخر المسلم أو العربي، إن قارناه بالخطاب اليميني المتطرف، فإن الأزمة تزداد عمقاً، الأمر الذي يراه الصحفي الفرنسي ورئيس التحرير السابق لصحيفة “لوموند ديبلوماتيك” آلان غريش مبرراً لأن الخطاب الليبرالي الحالي لا يمكنه التعامل مع الأزمة على نحو جاد.

ويقول غريش في حوارٍ أُجري معه مؤخراً ونُشِر على أحد المواقع الصحفية: إن “ما يجعل الخطاب الليبرالي (السائد في أوروبا حالياً) مزيّفاً في معالجته لقضية المهاجرين ليس غياب الرؤية التحليلية، بل غياب مواكبة القضية من الأصل وعدم فهم إشكاليات المجتمعات المصدّرة للمهاجرين”.

في السياق نفسه، انتقدت النائبة البرلمانية الفرنسية كليمينتي أوتين تنامي ظاهرة معاداة الإسلام واستهداف المسلمين في فرنسا، وقالت في مقابلة تلفزيونية: إن “الإسلاموفوبيا المتزايدة تقود البلاد إلى وضع خطير وشفا حرب أهلية”، لافتة إلى أن “مواقف وخطابات اليمين المتطرف شكلت مناخاً من الكراهية في البلاد. وهو ما جعل سياسيين كُثراً يتصرفون كأنهم في سباق حول من سيكون يمينياً متطرفاً أكثر”.

المصدر: TRT عربي – وكالات

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى