الأخبار

“عودة دولة “هتلر”.. هل يسيطر النازيون الجدد على ألمانيا بالكامل؟

 

“عودة دولة “هتلر”.. هل يسيطر النازيون الجدد على ألمانيا بالكامل؟

ليس من المُعتاد أن يتلقَّى السياسيون الألمان تهديدات حادة وكثيفة بالقتل، لكن هذا هو ما حدث مع والتر لوبك، عضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم والمسؤول الإداري عن منطقة كاسل الواقعة في ولاية هيسن في وسط ألمانيا،

بعد أن قرَّر السياسي الألماني أن يدافع علنا عن سياسة اللاجئين الخاصة بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال جولات خاصة في البلدات الصغيرة بمنطقته حرص خلالها على التأكيد أن الترحيب بالمحتاجين واللاجئين يقع في صميم القيم الألمانية والمسيحية،

وأن مَن يرفضون هذه القيم “هم مَن عليهم أن يغادروا البلاد وليس اللاجئين أو الأجانب” حدَّ تعبيره، وكما كان مُتوقَّعا انتشرت تصريحات “لوبك” انتشارا فيروسيا على الإنترنت مُثيرة جدلا كبيرا خاصة في صفوف أنصار اليمين المتطرف،

وسرعان ما بدأت مئات الرسائل المُحمَّلة بالتـ.ـهديدات تتدفَّق على بريد “لوبك” الإلكتروني، ووُضِع اسمه على قوائم المستهدفين من قِبَل النـ.ـازيين الجدد على الإنترنت، ونُشِر عنوانه التفصيلي على مدوَّنات ومواقع اليمين المتـ.ـطرف.

وفي 2 يونيو/حزيران 2019 وقع ما يخشاه الجميع وقتها، وقُـ.ـتِل “لوبك” برصـ.ـاصة مباشرة في رأسه (1) أثناء وقوفه في شُرفة منزله في أول عملـ.ـية اغتـ.ـيال سياسي يُنفِّذها اليمين المتـ.ـطرف في ألمانيا منذ عهد النـ.ـازية،

وعلى الرغم من الصدمة التي أثارها الحادث فإن تفاصيل الجـ.ـريمة التي كُشِفَ عنها لاحقا لم تكن مفاجئة لأحد تقريبا، فقد كان لدى ستيفان إرنست، المتهمِ الأولِ في الجـ.ـريمة، تاريخ طويل من العنـ.ـف العنـ.ـصري وعلاقات وثيقة مع جماعات اليمين المتـ.ـطرف،

وسبق اتهـ.ـامه بطـ.ـعن مهاجر حتى المـ.ـوت عام 1992، وأمضى لاحقا بعض الوقت في السـ.ـجن إثر اتهـ.ـامه بمحاولة تفجـ.ـير إحدى المنشآت، وكان يمتلك خمسة أسـ.ـلحة على الأقل، منها مـ.ـدفع رشـ.ـاش، ومسـ.ـدس عيار 38، وهو السـ.ـلاح الذي استخدمه في قتـ.ـل “لوبك”،

وعلى الرغم من أن “المكتب الاتحادي لحمـ.ـاية الدستور”، وهو جهـ.ـاز الاستخـ.ـبارات الألماني الداخلي، احتفظ على الدوام بمعلومات دقيقة حول “إرنست”، فإنه سقـ.ـط من نظم المراقبة الاستخـ.ـباراتية للمكتب، سهوا أو عمدا، بسبب التركيز المبالغ فيه للجهاز على حيّز “الإسلاميين المتشـ.ـددين”.

وعلى الرغم من أن مقتـ.ـل “لوبك” وضع ألمانيا أمام لحظة فارقة وجدت نفسها فيها مُجبَرة على الاعتراف بمدى جدية التهـ.ـديد الذي يُشكِّله اليمين المتطرف في البلاد بدلا من التقليل الدائم منه، فإن “لوبك” لم يكن أول سياسي ألماني يتـ.ـعرَّض للعنـ.ـف بسبب مواقفه من اللاجئين،

ففي عام 2015 تعـ.ـرَّضت رئيسة بلدية كولونيا “هنرييت ريكر” للطـ.ـعن في الحلق من قِبَل عاطل عن العمل أراد أن يُبدي احتجاجه على سياسة قبول اللاجئين في البلاد،

ولاحقا عام 2017 نجا (2) أندرياس هولشتاين عمدة مدينة آلتينا في ولاية شمال الراين – ويستفاليا من محـ.ـاولة للطـ.ـعن بسبب سياسة اللاجئين أيضا، ما يُسلِّط الضوء على مزاج شديد التـ.ـطرُّف والخطورة يجتاح ألمانيا مؤخرا، وغالبا ما يُعزى لسياسات “ميركل” المنفتحة تجاه اللاجئين منذ عام 2015.

تُوضِّح الإحصاءات (3) أن أعداد الهجـ.ـمات العنـ.ـيفة ضـ.ـد المهـ.ـاجرين والأقليات العِرقية في ألمانيا تضـ.ـاعفت من 774 هجـ.ـوما عام 2014 إلى 1467 هجـ.ـوما عام 2015، وعلى الرغم من تراجع عدد الهجـ.ـمات عام 2018 تراجعا محدودا إلى 1200 هجـ.ـوم،

فإن التقديرات تُشير إلى أن هذه الهجـ.ـمات أصبحت أكثر عنـ.ـفا وفتـ.ـكا. فعلى سبيل المثال شهدت ألمانيا في سبتمبر/أيلول 2019 محاكمة ثمانية أشخاص اتُّهِـ.ـموا بتأسيس خلـ.ـية نـ.ـازية جديدة زُعِم تخطيطها لشنِّ هجـ.ـمات على المهـ.ـاجرين والسياسيين والصحفيين في دريسدن عاصمة ولاية ساكسونيا.

وفي الشهر نفسه حاول مسـ.ـلح اقتحام كنيس يهـ.ـودي في مدينة هاله، وعلى الرغم من فشله في دخول المبنى فإنه قتـ.ـل رجلين على الأقل أثناء محاولته اقتحامه. وأخيرا جاءت واقعة قيام متطـ.ـرف ألماني يُدعى “توباياس راتين” بقـ.ـتل 11 كرديا بالرصـ.ـاص في مقهى في هاناو،

قبل أن يعود لمنزله ويقـ.ـتل نفسه ووالدته تاركا منشورا عنصـ.ـريا من 24 صفحة يُعدِّد فيه الأعراق التي ينبغي إبادتُها في ألمانيا من وجهة نظره.

على الرغم من كل ذلك فإن الربط بين نشوء العنـ.ـف اليمـ.ـيني في ألمانيا وبين تدفُّق اللاجئـ.ـين خلال الأعوام الأخيرة يفتقر إلى الكثير من الدقة، ويتجاهل ذلك الربط (4) ببساطة الكثير من الحقائق الواضحة التي يحب الكثير من السياسيين الألمان وبعض وسائل الإعلام غض الطـ.ـرف عنها،

فمنذ نهاية الثمانينيات وحتى اليوم شهدت ألمانيا موجاتٍ متتاليةً متفاوتةَ الشدة من العـ.ـنف اليميني الذي تجاهلته أجهزة الأمن سواء غفلة أو عمدا في كثير من الأحيان، وتورَّط فيه بعض أعضاء تلك الأجهزة في أحيان أخرى،

وكما تُشير التحقيقات التي أجرتها صحيفتا “دي زيت” و”دير تاغ شبيغل” المحليتان فإن المتـ.ـطرفين اليميـ.ـنيين والنـ.ـازيين الجدد ارتكبوا ما لا يقل عن 169 جـ.ـريمة قتـ.ـل مباشرة منذ عام 1990، ما يُسلِّط الضوء على أشـ.ـباح النـ.ـازية الكامنة في المجتمع الألماني،

ويضع برلين في مواجهة حقيقة أنها ربما لم تستطع بعد التخلُّص من آثار ماضيها المظلم، وأن إجراءات تنمية الشعور بالـ.ـذنب الجماعي مثل النصب التذكارية العامة لضـ.ـحايا الهـ.ـولوكوست والرحلات المدرسية لمعسـ.ـكرات الاعتـ.ـقال تفـ.ـشل باستمرار في مواجهة بقايا العنـ.ـصرية المتأصلة وكـ.ـراهية الأجانب، مهما زعم السياسيون الألمان عكس ذلك.

منذ نهاية الحـ.ـرب العالمية الثانية مال العـ.ـنف المسـ.ـلح في ألمانيا للارتباط بالدرجة الأولى مع اليسار، وعلى وجه التحديد جماعة الجيـ.ـش الأحمر أو “بادر – ماينهوف”، أبرز وأنشط الجماعات اليسارية المسـ.ـلحة في ألمانيا الغربية التي شـ.ـنَّت هجمـ.ـاتها ضد الدولة الألمانية منذ مطلع السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات تقريبا.

وعلى الرغم من أن العنـ.ـف اليميني ظهر في هذه الفترة على شكل موجات، فإن قـ.ـوات الأمن المشـ.ـغولة بمحـ.ـاربة اليساريين مالت كثيرا للتقليل من شأن خطـ.ـورة ذلك التطـ.ـرُّف وتأثيره.

أثار توحيد ألمانيا عام 1989 موجة جديدة ومختلفة (5) من العنـ.ـف اليميني، فقد انهار نظام الحـ.ـرب البـ.ـاردة المألوف بالنسبة للألمان، وبدأت حقبة زمنية جديدة شابها قدر كبير من عدم اليقين، فمع انهـ.ـيار اقتصاد ألمانيا الشرقية ووصول معدلات البطالة إلى مستوى غير مسبوق،

وتفشي انعدام الأمـ.ـن وتفاقم أزمة الحدود المفتوحة مما أدَّى إلى تدفُّق هائل للمهـ.ـاجرين، أبدى العديد من الألمان الشرقيين تململا مبكرا من النظام الدستوري للجمهورية الاتحادية، ومع نقل عاصمة البلاد من مدينة بون المتواضعة نسبيا إلى مدينة برلين الضخمة،

وهيمنة القيم الاجتماعية الحداثية والمفاهيم الاقتصادية الغربية على المجتمع الألماني، تفاقم الإحساس بالتهـ.ـديد لدى الألمان الشرقيين بوجه خاص، ودفعهم ذلك إلى تطوير إحساس متبادل بالتضامن القائم على “الهوية الألمانية” في مواجهة كل ما هو “دخيل” أو أجنبي،

شعور أدَّى في النهاية إلى تغذية المنـ.ـظمات النـ.ـازية الكامنة والأحزاب اليمينية الناشئة ومجموعات “حليقي الرؤوس” المنـ.ـاهضة للمهاجرين، وأسفر ذلك كله عن موجة جديدة من الهجـ.ـمات العنصـ.ـرية وكـ.ـراهية الأجانب استهدفت في المقام الأول المهـ.ـاجرين الأتراك الذين تدفَّقوا للعمل في ألمانيا الموحَّدة عقب سقوط جدار برلين.

وقعت واحدة من أسوأ الفظائع في ذلك التوقيت عام 1992 حين تجمَّع حـ.ـشد من اليميـ.ـنيين المتـ.ـطرفين في روستوك، مدينة صغيرة على ساحل البلطيق، أمام مبنى سكني يُقيم به عمال فيتناميون،

وعلى مدار أيام متواصلة قصـ.ـف المتـ.ـطرفون الغوغاء المبنى بالحجارة وقنابل المولوتوف مع هتافات عنـ.ـصرية على شاكلة “ألمانيا للألمان” و”اطردوا الأجانب”، ما أدَّى إلى اشتعال الـ.ـنار في المبنى بطبيعة الحال،

وعلى الرغم من اعتـ.ـقال مئات الأشخاص آنذاك فإنه لم يُدَن منهم إلا عدد قلـ.ـيل وبتـ.ـهم ارتكـ.ـاب أعمال عنـ.ـف ضـ.ـد قـ.ـوات الشـ.ـرطة وليس ضد سكان المبنى.

كانت اعتـ.ـداءات روستوك هي قمة الموجة التسعينية من الهجـ.ـمات العنـ.ـصرية وكراهـ.ـية الأجانب في ألمانيا، موجة بدأت في التراجع بفعل الانتعاش الملحوظ للاقتصاد الألماني أعقاب الوحدة بشكل تلاشت معه دعوات اليأس الثقافي والتشدد الأيديولوجي وخفت بريقها،

وهو ما دفع الجماعاتِ اليمينيةَ والنـ.ـازيةَ إلى الانزواء تحت الأرض، على الرغم من أن بعض هذه الجماعات، مثل الفَرع الألماني لجماعة “كومبات 18” اليمينية المتـ.ـطرفة التي تأسست في بريطانيا في التسعينيات،

واصلت ارتكابَ بعضِ أعمال العـ.ـنف المنـ.ـاهضة للأجانب مستغلة شبكاتها الكبيرة من الأعضاء الذين كان معظمهم معروفين بالاسم لدى أجـ.ـهزة إنفاذ القانون في البلاد، ومنهم “ستيفان إرنست” المتهم في واقعة اغتـ.ـيال السياسي “والتر لوبك” سابقة الذكر.

هدأت الجـ.ـرائم نسبيا خلال الأعوام التالية، ولكنها عادت مرة أخرى بالنمط نفسه عام 2004، وكانت البداية مع “محمد تورغوت” الذي قُـ.ـتِل بالرصـ.ـاص في محل كباب في مدينة روستوك على ساحل البلطيق.

وفي العام ذاته فُجِّـ.ـرَت قنـ.ـبلة في منطقة كيوبستراس بمدينة كولون التي يقطنها المهاجرون الأتراك، ما تسبَّب في جـ.ـرح 22 شخصا، وفي يونيو/حزيران 2005 أُطـ.ـلق الرصـ.ـاص على “إسماعيل ياشار”، 50 عاما، في محل الكباب الخاص به في مدينة نورمبرغ،

وفي العام التالي قُتِـ.ـل صانع أقفال يوناني – ألماني يبلغ من العمر 41 عاما ويُدعى ثيودوروس بولجاريدس في محل عمله في ميونيخ، ليصبح أول ضـ.ـحية لا تحمل أصولا تركية. وفي عام 2006 قُتِـ.ـل بائع بأحد الأكشاك يُدعى محمد كوباشيك، 39 عاما،

في مدينة دورتموند في ألمانيا الغربية، وبعد ذلك بيومين فحسب قُتِـ.ـل خالد يوزجات، 21 عاما، في مقهى للإنترنت كان يديره في مدينة كاسيل بوسط ألمانيا.

وقعت حوادث القـ.ـتل تلك في 7 مدن مختلفة في جميع أنحاء ألمانيا من شرقها إلى غربها، وعادة ما كان يفصل بينها فترات طويلة وصلت إلى سنوات في بعض الأحيان، وقد جعل كل ذلك الربط بين مرتكبيها صعبا لدرجة أن السـ.ـلطات الألمانية لم تقتنع بأن تلك الجـ.ـرائم متصـ.ـلة ببعضها إلا عام 2006،

وكان على أجهزة الأمـ.ـن الانتظارُ خمسة أعوام أخرى، وتحديدا حتى عام 2011 لكشف مزيد من التفاصيل حول القضايا الغامضة، بعدما حصلت مجموعة من الصحف الألمانية على أقراص رقمـ.ـية حوت مقطع فيديو مثيرا للاهتمام عبارة عن حلقة مُنتِجَت من مسلسل الكارتون الشهير “النمر الوردي”،

وأظهرت الحلقة النمر وهو يتجوَّل في الشوارع أمام ملصـ.ـقات مكتوب عليها عبـ.ـارات “قفوا مع شعبكم”، قبل أن يقوم بتفـ.ـجير محل للبقالة ليُقطع الفيديو فجـ.ـأة وتحلَّ محلَّه لَقَطـ.ـاتٌ إخبارية لمحـ.ـل هُجِـ.ـم عليه بطريقة مماثلة في مدينة كولونيا عام 2001.

في هذا السياق هناك طُرفة شائعة (9) في الداخل الألماني نصّها: “قـ.ـوات الأمن الألمانية عمياء في عينها اليمنى”، في إشارة ساخرة إلى لا مبالاة أجهزة الدولة بشأن تهـ.ـديدات التـ.ـطرُّف اليميني،

ولا يقتصر ذلك فقط على اعتـ.ـناق بعض أفراد أجهزة الأمن للمعتقدات اليمينية المتـ.ـطرفة مثل التجانس العنصري وتورُّطهم في تسهيل أعمال العـ.ـنف اليميني،

لكن تلك اللا مبالاة أو التعمُّد يشملان أيضا تورُّطَ نظام العدالة الألماني في غضِّ الطرف عن هذه الجـ.ـرائم ومنع تقديم الأدلة التي تُثبت تورُّط المسؤولين الألمان في تسهيل هذا النوع من العنف المسلح.

ونتيجة لهذه الثقافة المؤسسية التي تُرسِّخ لإفلات المتـ.ـطرفين اليمينيين من العـ.ـقاب، ظلَّت الأفكار اليمينية المتـ.ـطرفة وأيديولوجيا النازيين الجدد تتسلَّل ببطء لقلب الأجهزة الأمـ.ـنـ.ـية والعسـ.ـكرية في ألمانيا،

وللدقة لطالما اعتُبِر جهـ.ـاز الاستـ.ـخبارات الألماني ذا ميول يمينية طبيعية منذ أسّسه الأميركيون أعقاب الحـ.ـرب العـ.ـالمية الثانية، حيث اضطر الجهاز للترحيب بالنـ.ـازيين والأعضاء السابقين في الـ.ـشـ.ـرطة الألمانية السـ.ـرية “الجستابو” ضمن صفوفه،

وكانت مهـ.ـمة الجـ.ـهاز الأساسية هي التجـ.ـسُّس على أعضاء الحزب الشيوعي الألماني، وكانت هذه الميول النـ.ـازية غير الخفية هي السبب في انشـ.ـقاق “أوتو جون”، أول رئيس للجـ.ـهاز، وهربه إلى ألمانيا الشرقية عام 1954،

ليَخلفه في رئاسة الجهاز “هوبرت شروبرز” العضو السابق في وحدات “إس إس وافن” شبه العسـ.ـكرية الشهيرة التابعة للحزب النـ.ـازي، حيث حُظِر في عهده الحـ.ـزب الشيوعي الألماني، ومع تواتر التقارير حول الميول النازية الكامنة في قلب جهاز الاستخـ.ـبارات الألماني،

فإن عددا من الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد مثل حزب الخضر وحزب اليسار سبق أن طالب بإلغاء وكالة الاستخـ.ـبارات الداخلية في البلاد.

لكن هذا الحضور الجلي للنـ.ـازية الجديدة في ألمانيا لم يقف عند جـ.ـهاز الاستخـ.ـبارات فحسب، وإنما تغلغلت هذه الأفكار على الأرجح في جميع مفاصل (10) الجـ.ـيش الألماني الجديد المعروف باسم “بوندسفير”،

فعلى الرغم من أن نبذ الإرث النـ.ـازي وتجـ.ـريمه كان أحد المتطلبات الأساسية لإعـ.ـادة بناء الجـ.ـيش الألماني، فإن القيادة السياسية في ألمانيا الغربية لم تجد بُدًّا من الاسـ.ـتعانة ببعض خبرات قيـ.ـادات العصر النازي.

ونتيجة لذلك، ومع اقتراب عقد الخمسينيات من نهايته، كان البوندسفير قد استقطب نحو 12 ألفا من ضـ.ـباط الجـ.ـيش النـ.ـازي ونحو 3000 من وحـ.ـدات “إس إس وافن”.

وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الميول النازية داخل الأجـ.ـهزة الأمـ.ـنية والعـ.ـسكرية ظلَّت تحت السيطرة إلى حدٍّ كبير حتى لحظة هـ.ـدم جدار برلين أواخر الثمانينيات،

وانضمام الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الموحَّدة ليُمثِّلوا خُمس سكان البلاد، وعلى الرغم من العداء الشـ.ـديد بين الشيوعيين القادمين من ألمانيا الشرقية وبين النـ.ـازيين، فإن أزمة الهوية التي خلقها عالم ما بعد الحـ.ـرب البـ.ـاردة،

وسخـ.ـط العديد من الألمان الشرقيين على القيم الحداثية الغربية، تسـ.ـبَّب في جنـ.ـوح الكثير من الألمان الشرقيين نحو التطـ.ـرُّف اليميني.

بدأت آثار هذا التوجُّه اليميني في المجتمع الألماني في لفت الأنظار منذ عام 2014، تزامنا مع موجة اليمين المتـ.ـطرف التي اجتاحت أوروبا كلها بوصفها رد فعل على الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو،

وعلى أزمة اللاجئين السوريين وتوافدهم على أوروبا، خاصة مع قرار المستشارة الألمانية ميركل فتح الأبواب لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين الفارّين من الصـ.ـراع الدموي على الأراضي السورية.

وقتها بدأت الصـ.ـراعات العسـ.ـكرية التي اجتاحت الشرق الأوسط في فرض نفسها داخل مجتمعات المهاجرين في ألمانيا هذه المرة في صورة صـ.ـراعات ثقافية،

وكان المثال الأبرز على ذلك اشتبـ.ـاكاتِ الشوارع التي وقعت في مدينة هامبورغ في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014 بين مؤيدي “الجماعات الجهـ.ـادية” وبين مناصري الأكراد واليزيديين الذين كانوا يُنظِّمون تظاهرة خاصة تضامنا مع بلدة كوباني السورية المحـ.ـاصرة،

مشهد التقطه “لوتز باخمان”، صاحب شركة دعاية وإعلان تقوم بأعمال الدعاية لصالح الملاهي الليلية في دريسدن بولاية ساكسونيا، ليُدشِّن مجموعة على فيسبوك باسم “الأوروبيون المسـ.ـالمون ضـ.ـد أسلمة الغـ.ـرب”،

دعا فيها للنزول للشوارع لتوصيل رسالة للسياسيين احتجاجا على ما وصفها بسياسات “الأسـ.ـلمة والأبوية والصوابية السياسية وإهانة الوطنيين ووصفهم بالنـ.ـازية لكونهم يدافعون عن بلادهم”، مُشبِّها دعوته بصرخة الاحتجاج التاريخية للمتظاهرين في ألمانيا الشرقية في الأسابيع التي سبقت انهـ.ـيارَ الشيـ.ـوعية وسقـ.ـوطَ جدار برلين.

تحوَّلت (12) المجموعة سريعا -في غضون أيام- إلى حركة سياسية عرَّفت نفسها باسم “بيغيدا” أو “وطنيون أوروبيون ضد أسلـ.ـمة الغرب”، وخلال أيام قليلة إضافية نجحت “بيغيدا” في اكتساب زخم كبير،

ونظَّمت مظاهرات أسبوعية في دريسدن، وألهـ.ـمت تحرُّكات مماثلة في العديد من المدن والولايات الشرقية مثل لايبزيغ وكاسل، وحتى في بعض المناطق الغربية مثل فورتسبورغ وبون وفرانكفورت،

وبحلول شهر ديسمبر/كانون الأول كانت مظاهرات “بيغيدا” تستقـ.ـطب أكثر من 20 ألف مشارك، وبدا أن الحركة اكتسبت زخما لا يمكن وقفُه، وأنها في طريقها لتدشين تحوُّل سياسي كبير.

لكن في خلال ثلاثة أسابيع فقط تلاشى زخم “بيغيدا” فجـ.ـأة بفعل مظاهرات مضادة أكبر حجما بكثير نظَّمتها الجماعات اليسارية والخضر والديمقراطيون الاجتماعيون ومنظمات المهاجرين والكنائس،

وبحلول منتصف فبراير/شباط 2015 تضاءل حجم تظاهرات “بيغيدا” إلى بضع مئات فقط، لدرجة دفعت البعضَ إلى الاعتقاد (13) بأنها كانت مجرد ظاهرة ثقافية مؤقتة ولَّدها الوضع الفريد لولاية ساكسونيا التي تحمل إرثا تاريخيا من العداء للمهاجرين والأجانب.

لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تلاشى بفعل الصعود السياسي الكبير لحزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، وهو حزب سياسي يميني متـ.ـطرف يتبنَّى أجندة حمائية معادية للمهاجرين ومناهضة للاتحاد الأوروبي تأسَّس في برلين مطلع عام 2013 بوصفه رد فعل على الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو،

لكنه لم ينجح في تجاوز عتبة 5% من الأصوات المطلوبة في انتخابات عام تأسيسه نفسه، غير أنه نجح في الحصول على 7 مقاعد في الانتخابات الأوروبية في العام التالي، كما نجح في تحقيق انتصارات ملحوظة في انتخابات الولايات خلال الأعوام التالية،

ليُؤمِّن لنفسه تمثيلا في 14 برلمانا من أصل 16 برلمانا للولايات الألمانية، قبل أن يتوّج البديل موجة صعوده في الانتخابات الفيدرالية التي جرت عام 2017 حاصدا 94 مقعدا في البرلمان الألماني “البوندستاج”، ليصبح بموجبها الحزب المـ.ـتطـ.ـرف ثالث أكبر الأحزاب تمثيلا فيه.

كان حزب البديل هو أول حزب شعبوي يميني يحصد نجاحا انتخابيا في ألمانيا منذ الحـ.ـرب العالمية الثانية، ومَثَّل نجاحه أول خـ.ـرق سياسي للإجماع الليبرالي الألماني بعد الحـ.ـرب، لذا فإن صعود الحزب أصـ.ـاب السياسة الألمانية بهـ.ـزة كبيرة خاصة مع الارتباط الأيديولوجي الذي يجمعه مع مؤيدي أيديولوجية “النازية الجديدة”

على الرغم من إنكار الحزب لهذه الروابط، فضلا عن كون صعود الحزب قد منح قُبلة الحياة السياسية لهذه الأفكار بعد أن ظن الجميع أنها قد تلاشت بفعل آثار الانتعاش الاقتصادي خلال العقد الأول من الألفية.

عَبَّرَ نجاح حزب البديل -في جوهره- عن صعود ثقافة فكرية جديدة في ألمانيا لم تَعُد راضية عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحزب الديمقراطي المسيحي تحت قيادة أنجيلا ميركل،

خاصة فيما يتعلّق بمواقف الحزب من المهاجرين والإسلام، ولكن الجديد أن الموجة اليمينية الجديدة التي صاحبت صعود الحزب لم تَعُد محصورة في المناطق الشرقية المعادية تقليديا للمهاجرين

-على الرغم من أنها حاضرة بوضوح أكثر في هذه المناطق- أو مرتبطة بالطبقات الأدنى في السلم الاقتصادي، لكنها تبدو أكثر ارتباطا بطبقة برجوازية جديدة مُتعلِّمة محافظة ودوائر يمينية راديكالية بعضها من المؤيدين السابقين للحزب الديمقراطي المسيحي نفسه.

لكن أهم ما يجعل (14) هذه البيئة مختلفة عن الدوائر المحافظة التقليدية في الماضي هو أنها تضم مجموعات فكرية مختلفة لم يَبدُ حتى وقت قريب أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بينها،

على رأس هؤلاء مفكرو اليمين المتـ.ـطرف التقليديون في ألمانيا الغربية أمثال كارل هاينز ويبمان وهيمو شويلك وأولريتش شتشاتشت وغوتز كوبيتشيك الذين كانوا يضغطون منذ سبعينيات القرن الماضي من أجل قومية يمينية متعصبة ومنع تحوُّل ألمانيا إلى مجتمع متعدد الثقافات،

وحازوا حضورا ملحوظا خلال فترة حكم المستشار هيلموت كول في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، على الرغم من أن تأثيرهم السياسي ظلَّ محدودا مع بقائهم على هامش السياسة الألمانية.

لكن هذا الوضع تغيَّر مؤخرا بعد أن انضم لهؤلاء مجموعة أخرى من الممثلين البارزين للطبقة الفكرية السائدة في ألمانيا الغربية من المفكرين الذين كانوا مُقرَّبين سابقا من دوائر السلطة ولكنهم خسـ.ـروا نفوذهم في الإعلام والسياسة والثقافة بحكم التغيرات الاجتماعية والسياسة متعددة الثقافات وصعود الأقليات،

ومن أبرز هؤلاء هانز جورج مابين، الرئيس السابق لكلٍّ من المكتب القومي لحماية الدستور ووكالة الأمن الداخلي الألمانية، وكذا ثيلو سارازين، عضو الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، وغيرُهم.

ينضم إلى هؤلاء مجموعة أخرى يكتمل بها ثالوث النخبة اليمينية الجديدة في ألمانيا اليوم، وهم الألمان الشرقيون الذين كانوا مُهمَّشين في جمهورية ألمانيا الشرقية سابقا ممّن تولوا مواقع قيادية في المجتمع المدني خلال الفترة الانتقالية وخابت آمالهم بسبب الطرق التي تم بها توحيد شطرَيْ ألمانيا وبفعل هيمنة الثقافة الغربية،

ويرى هؤلاء أن صعود الأفكار اليمينية اليوم هو امتداد بشكل ما لثورة الألمان الشرقيين عام 1989، وعلى الرغم من أن هذه المجموعات لم يربط بينها في وقت سابق أي شبكات سياسية، فإنها تشترك جميعا اليوم في رفضها لأفكار التعدد الثقافي وقبول الآخر، ومبالغتها في التحذير من خطـ.ـر المهاجرين والمحاولات المزعومة لـ “أسلمة” ألمانيا.

وعلى الرغم من أن هذه المجموعات المتباينة لا تزال تحمل قدرا كبيرا من التباين والاختلاف فيما بينها، وأن أغلبها يرفض العـ.ـنف ضـ.ـد الأقليات والمهاجرين بوصفه وسيلة لترويج أفكارها،

فإن توفُّر البيئة الأيديولوجية والسياسية التي تُغذِّي صعود قوى اليمين المتـ.ـطرف العنـ.ـيفة ومجموعات النـ.ـازية الجـ.ـديدة بشكل جماعي أصبحت اليوم الخـ.ـطر الأكبر الذي يُهـ.ـدِّد مستقبل ألمانيا بوصفها دولة ليبرالية تعدُّدية،

وهو خـ.ـطر يبدو أن معظم صُنَّاع القرار في ألمانيا لا يزالون يُهوِّنون من حجمه، عمدا أو تقليلا منه، ويتناسَون أن ألمانيا المزدهرة والمستقرة سياسيا اليوم كانت قبل ثلاثة عقود فقط تعيش في خضم أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة،

وأنه على الرغم من التغييرات المـ.ـذهلة التي شهدتها البلاد منذ مطلع التسعينيات وحتى اليوم، فإن أشبـ.ـاحَ توتُّرات الماضي وخطوط الصـ.ـدع التي خلقتها لا تزال أصواتها تتردَّد في جنبات السياسة والمجتمع في ألمانيا حتى يومنا هذا،

أشباحا إن استمرت برلين في تجاهلها فإنها ستواصل النمو وتُعيد إنتاج مبادئ الـ.ـنازية في ثوب جديد أكثر حداثة، ولحُسن الحظ، فإن الكثيرين لا يزالون يذكرون الثمن الذي دفع العالم للتخلُّص من النازيين الأوائل قبل زهاء 6 عقود من الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى