أخبار العالمالأخبار

قائد المغول الذي يهابه الجميع! ما حقيقة غيهاتو خان الذي ظهر في مسلسل عثمان؟.. القصة كاملة

من المعروف أن المغول بدأوا في الظهور بداية القرن الـ 12 الميلادي في هضبة منغوليا شمال صحراء جوبي، التي وحّد فيها جنكيز خان البدو تحت حكمه لتصبح دولته خلال سنواتٍ قليلة في أوج قوتها وتخضع دول العالم من حولها. ومن هنا الظهور الدائم للمغول في مسلسلات مثل قيامة أرطغرل والمؤسس عثمان.

تمتَّع المغول كما هو مشهور عنهم بقوةٍ ووحشيّة في القتال وأعدادٍ كبيرة من المقـ.ـاتلين. اعتمد جنكيز خان في تقوية جيشه على تأسيس طبقةٍ من المقـ.ـاتلين يحصلون على امتيازاتٍ كبيرة مقابل تشكيلهم “قوات نخبة” يعتمد جيش المغول عليها في حسم المعارك.

وبهذه الفئة التي كانت تدعى “طرخان” حظى جيش المغول بشهرته الكبيرة التي كانت تسبقه، ومن هذه الفئة أيضاً كان كبار رجال الدولة المغولية وقادة الجيش.

أمَّا عن اقتصاد الدولة، ففي عهد أوقطاي بن جنكيز خان، ثاني خانات (حكّام) دولة المغول، فقد تأسس النظام الاقتصادي المعتمد على الضرائب بشكلٍ كبير ثمَّ على التجارة.

وفي عهد حفيده قوبلاي خان، الإمبراطور الخامس للمغول، ازدهرت التجارة، وفُرضت الرسوم على السلع الأجنبية بجانب الجزية المفروضة على الدول الخاضعة للمغول، وبدا الاقتصاد في إمبراطورية المغول متيناً وفي أزهى عصوره، كما يقول الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه (تاريخ المغول العظام والإيلخانيين).

تأسيس الدولة الإيلخانية وولادة غيخاتو

في عهد قوبلاي خان -حفيد جنكيز خان والخاقان الخامس لإمبراطورية المغول- بدأت إمبراطورية المغول الشاسعة تصبح لا مركزيّة، فقد كان هناك الخاقان الأكبر قوبلاي خان، وهناك ممالك مغولية أخرى تتبع له اسماً فقط.

وفي عام 1259 تأسست الدولة الإيلخانية على يد هولاكو خان -أخو قوبلاي خان- والتي عرفت باسم دولة “مغول فارس”، والتي تمركزت في الجزء الجنوبي الغربي من الإمبراطورية المغولية، أي في إيران وما حولها.

وفي نفس عام تأسيس الدولة الإيلخانية، وُلد غيخاتو بن أباقا بن هولاكو والذي وصل إلى الحكم في عام 1291 وهو ابن 32 عاماً، ليصبح خامس حاكم للدولة الإيلخانية والذي لم يستمر حكمه إلا 4 أعوام فقط.

كان أرغون أخ غيخاتو الأكبر هو من سبقه في الحكم، ولكنّه ترك بعد موته خلافاتٍ كثيرة لعدَّة طامعين فى اعتلاء العرش، منهم ابنه محمود غازان الذي اعتنق الإسلام، وبايدو بن ترغاى بن هولاكو، ولكن بعد استشارة أوروك خاتون أرملة الإيلخان الراحل، استقر الرأى على استدعاء غيخاتو، وفي الاجتماع الذي عُقد لتحديد الحاكم الجديد، تقرَّر تولية غيخاتو الحكم، وكان ذلك عام 1291.

غيخاتو واستنفاد موارد الدولة

بعد الانتهاء من مراسم احتفالات التنصيب عاقب غيخاتو أمراء الجيش الذين أثاروا الشغب في أواخر عهد أخيه أرغون، وذلك بتجريدهم من رتبهم وتسريحهم من الجيش. كما أخمد غيخاتو بعض التمـ.ـردات مثل تمـ.ـرّد القرمانيين الذي ذهب يخمده بنفسه في الأناضول، بعد أن عين نائباً عنه فى إدارة شؤون الحكم أثناء غيابه.

وبالفعل استطاع غيخاتو إخماد التمـ.ـرد في الأناضول، ولكن أثناء غيابه أشاع المناوئون له أنه قُتـ.ـل وأنّ الثورة قضت على قواته، واتفق المناوئون على تنصيب الأمير إنبارجي بن منكو بن هولاكو إيلخاناً بديلاً عنه، كما ذكر رشيد الدين الهمذاني في كتابه (جامع التواريخ)، غير أن الأوضاع سرعان ما انجلت وتبيَّن كذب الإشاعات، بعدما عاد غيخاتو منتصراً.

أسرع نائب غيخاتو في القبض على المناوئين له ووضعهم أمام غيخاتو والذي تساهل معهم بدوره، فعفى عنهم وجعلهم موضع ثقته وعنايته، وطمأن الأمراء الذين شاركوا في المؤامرة، وذلك لكي يكسب جانبهم. ويروي محمد سهيل طقوش في كتابه أنّ غيخاتو انغمس بعد ذلك في اللهو والشراب ومجالسة النساء احتفالاً بالنصر.

كما وزَّع غيخاتو الثروات الطائلة والنفائس على الأمراء والخواتين (وهنّ النساء عاليات المقام) وأعفى الكثير منهم من دفع الضرائب، وذلك بشكلٍ غير مدروس ولا مُنظّم، إذ سرعان ما أدت تلك الإجراءات إلى فراغ الخزانة العامة من الأموال، وقلَّ الدخل العام وكان لذلك أثر سيئ على اقتصاد الدولة.

صدر الدين الزنجاني ونقودٌ ورقية في مواجـ.ـهة أز مة مالية خـ.ـانقة

لتصحيح الأوضاع في الدولة اتّخذ غيخاتو بعض القرارات الإصلاحية، فعيّن الأمير آق بوقا في منصب أمير الأمراء، كما عين كلاً من سيكتور نوين و طغاجار معاونين له، وعين أيضاً صدر الدين الزنجاني وزيراً، والذي كان يحتل مكانةً كبرى عند العديد من أفراد الأسرة المغولية الحاكمة، ومنحه سلطاتٍ مطلقة حتى صار الحاكم الفعلي للبلاد.

وبحكم منصبه راح صدر الدين الزنجاني يضايق بعض الأمراء والقادة والساسة المغول، وعمل على تحجيم دورهم السياسى أحياناً، ما دفعهم إلى تحريض جماعةً من الأعيان على تأليب غيخاتو ضده، بحجَّة أنه كان يتصرَّف في الأموال العامة وفق مزاجه وأهوائه، ولمصلحته الشخصية على حساب مصالح الدولة، مثل احتياجات الجند من عتاد وذخيرة ودواب، وأنه يقتطع لنفسه مبلغاً كبيراً من الضرائب.

لكنّ غيخاتو كان يثق بوزيره ثقةً مطلقة، لذلك لم يعر هذا الكلام أي انتباه، بل فعل أمراً غريباً بعض الشيء، أنه اطلع وزيره على أسماء الوشاة، وسلَّمهُم له ليقتصَّ منهم، غير أن الوزير عفى عنهم وقَبِلَ اعتذارهم في خطوةٍ أخرى لاستقطابهم لإصلاحاته السياسية.

وفي خطوة منه لتأكيد ثقته بوزيره؛ أصدر غيخاتو أمراً بوضع الأمراء والحكام والعمال والكتاب تحت تصرف وزيره، كما أعطى له سلطة ألا يُمنَح الأمراء والخواتين أى إقطاعات بغير إذنه، وكان هذا الاهتمام الزائد بالوزير عاملاً مشجعاً على زيادة اتساع نفوذه، وإطلاق يده في جميع شؤون الدولة.

أدت كل تلك الأحداث لتعرُّض الدولة لأزمة مالية حادة، بسبب الإفراط في النفقات ما أدى -بعد عامين فقط- من تولي غيخاتو المنصب إلى اقتراض مبالغ ضخمة لسد نفقات الدولة الضرورية، وتزامن مع ذلك انتشار وباء فى قطعان الماشية فنفق أكثرها، وذلك في الوقت الذي كانت الماشية تشكل مورداً رئيساً في دخل الدولة.

عجزت الدولة عن تأمين المال اللازم لسدّ نفقات الجيش، وقد بلغت الأزمة المالية أشدها، حتى أن مطبخ الإيلخان عجز عن توفير الطعام في بعض الأوقات بشكلٍ لائق.

ازدادت الأزمة المالية تضخماً مع مرور الوقت فكان لابد من إيجاد حل سريع، فاقترح عز الدين مظفر، وهو المستشار المالي لصدر الدين، اتباع الأساليب المالية المطبَّقة في الصين.

كانت الصين تعتمد في هذا الوقت على التعامل بالعملة الورقية بدلاً من الذهب والفضة، وهي الخطة التي اقترحها عزالدين مظفر لكي تستقيم الأمور ويعود المال إلى خزانة الدولة.

وسرعان ما وافق الوزير على هذا الاقتراح، وتبعه في الموافقة غيخاتو وأصدر قانوناً في عام 1294 أجاز بموجبه التعامل بالعملة الورقية “الشاو”، وأجبر الناس على التعامل بها، وبنى دور ضرب العملة في المدن الكبرى بكافة أنحاء البلاد.

كما حذر غيخاتو شعبه من التعامل بالذهب والفضة، وأوقف كل الأعمال التي تستعمل فيها هذين المعدنين، مثل نسج بعض أنواع الأقمشة وصناعة الأواني الذهبية والفضية، وأمر بصرف مرتبات الحكام والموظفين بالعملة الجديدة.

ويشير ابن الفوطي في كتابه (الحوادث الجامعة) إلى ما آلت إليه الأوضاع في مدينة تبريز، عاصمة الدولة الإيلخانية، بسبب التعامل بعملة الشاو الورقية، فيقول: “تعامل به أهل تبريز اضطراراً لا اختياراً بالقصر والقهر، فاضطربت أحوالهم اضطراباً أضرَّ بهم وبغيرهم، حتى تعذرت الأقوات وسائر الأشياء وانقطعت الموارد من كل نوع، فكان الرجل يضع الدرهم في يده تحت الشاو ويعطيه للبائعين ويأخذ حاجته خوفاً من أعين السلطان..”.

وفي هذه الفوضى الاقتصادية نشط اللصوص، وسلبوا كل ما صادفوه في الشوارع؛ فضج الناس وسخطوا من هذه الفكرة، وصمموا على قتـ.ـل عز الدين مظفر صاحب هذه الفكرة، فلاذ بالفرار مع أعوانه، إذ إن غيخاتو لم يكن قادراً على حمايته من سخط الناس.

ولمَّا رُفِعَ الأمر إلى الإيلخان، خشي من سوء الأوضاع وأن يصل الأمر إلى ثورةٍ عارمة تطيح بحكمه أو تعمل على زوال الدولة الإيلخانية المنهكة اقتصادياً، فأسرع إلى معالجة الأمر، وأصدر قانوناً يقضي بإلغاء التعامل بالشاو، والعودة إلى التعامل بالنقد القديم، فعاد الهدوء إلى تبريز وأخذ التجار يباشرون أعمالهم من جديد.

نهاية غيخاتو المتوقعة

على عكس ما ظهر غيخاتو في مسلسل المؤسس عثمان باعتباره القائد المغولي القاسي الصـ.ـارم الذي يخافه الجميع، يصف لنا المؤرخ اللبناني محمد سهيل طقوش غيخاتو بأنه كان شاباً مهملاً لشؤون الحكم، وسكيراً، وعديم الكفاءة، وضعيف الشخصية، وعاجزاً عن مواجـ.ـهة الأحداث، ما دفع أمراء المغول للتمـ.ـرُّد على حكمه، وتزعم ابن عمّه بايدو بن ترغاي بن هولاكو هذا التمـ.ـرُّد.

وقد ساءت العلاقة بين غيخاتو و بايدو، لدرجة أنَّه في أحد مجالس اللهو حين أفرط غيخاتو في الشراب، شتم بايدو، فبادله بايدو الشتائم، فغضب غيخاتو وضربه وطرده من مجلسه، ولكنَّه عندما أفاق من سكره في اليوم التالي، ندم على ما فعل واعتذر منه، وكان بايدو من المرشحين البارزين لمنصب الإيلخانية، فأثر ذلك في نفسه وصمم على الانتقام منه.

حينما علم غيخاتو بما يحيكه بايدو، عزم على الفرار إلى الأناضول حيث كان يغدق على قادتها بالعطايا الكثيرة. لكنّ حاشيته نصحوه بتشكيل جيشٍ لمواجـ.ـهة المتمـ.ـردين، فخضع غيخاتو إلى مشورتهم، وكوَّن الجيش المكون من 5 آلاف مقـ.ـاتل تحت قيادة الأمير تيتاق، والذي ذهب بدوره إلى همذان للاشتباك مع جيش بايدو، ثم أرسل غيخاتو 20 ألفاً من الجنود، بقيادة الأميرين آق بوقا وطغاجار ليلحقوا بالأمير تيتاق.

وفي هذا الوقت الحاسم، ظهرت حقيقة القائد طغاجار الذي كان مؤيداً لبايدو، وانفصل مع أتباعه عن جيش غيخاتو والتحق بجيش بايدو، ما أدى إلى ضعف موقف آق بوقا، الذي أخبر غيخاتو بذلك، فاعتراه اليأس وعجز عن التفكير، ورجحت كفة بايدو في هذا الصراع، وحسـ.ـم المعـ.ـركة لصالحه ولاذ الأمراء الموالون لغيخاتو بالفرار، في حين أطلق بايدو صراح الأمراء الذين اعتقلهم غيخاتو في السابق في بداية حكمه.

وبعد حسـ.ـم المعـ.ـركة، أسرع بايدو في تعقُّب غيخاتو، فأُلقي القـ.ـبض عليه وحملوه إلى بايدو الذي أمر بأن يقـ.ـتلوه خنقاً بوتر القوس وذلك في عام 1295.

وبالرغم من أن غيخاتو ظهر في مسلسل عثمان شخصاً كبير السن ذا لحيةٍ بيضاء ويهابه الجميع، فإن الواقع أن غيخاتو كان شاباً غير مسؤول، وكان -كما يصفه بعض المؤرخين- أسوأ أفراد أسرة هولاكو الذين تولوا عرش المغول الإيلخانيين، والذي أدى بدوره إلى تدهور الأوضاع في الدولة الإيلخانية تدهوراً شديداً.

لم يتوقف التدهور بعد رحيله، حيث ظل التدهور مستمراً باستثناء مدة حكم الإيلخان محمود غازان، الذي اعتلى العرش وتحولت الدولة في عهده إلى الإسلام وأوصل الدولة إلى أعلى درجات الرقي والازدهار، إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً وعادت الدولة إلى التدهور إلى أن زالت تماماً في عام 1335.

المصدر: عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى